مفارقة الثراء والقلق.. لماذا يخاف جيل "زد" المستقبل رغم نمو مدخراته؟

أكتوبر 13, 2026 - 05:00
 0
.
مفارقة الثراء والقلق.. لماذا يخاف جيل "زد" المستقبل رغم نمو مدخراته؟

تتزايد المخاوف المالية لدى جيل «زد» بشأن امتلاك المنازل وتأمين التقاعد وتحقيق الاستقرار الاقتصادي، على الرغم من تحسن مستويات دخلهم وتراكم ثرواتهم مقارنة بالأجيال السابقة في الأعمار نفسها.

وتكشف هذه المفارقة عن فجوة متنامية بين المؤشرات المالية الفعلية والتصورات التي يحملها الشباب عن مستقبلهم، في ظل تأثير وسائل التواصل الاجتماعي وارتفاع سقف التوقعات بشأن النجاح والرفاهية.

 ولا يُعد القلق المرتبط بالقدرة على تحمل تكاليف المعيشة ظاهرة حديثة، إذ تعود شكاوى مشابهة إلى القرن التاسع عشر، حين تحدث مقال نشرته مجلة صحية أمريكية عام 1866 عن الصعوبات المتزايدة لشراء منزل وارتفاع تكاليف الأثاث، وهو ما يعكس مخاوف مالية تشبه تلك التي يعبر عنها الشباب اليوم وتطرح سؤالاً أساسياً حول ما إذا كانت الظروف الاقتصادية أصبحت أصعب بالفعل أم أن تطور معايير النجاح وتغير التوقعات يجعلان الواقع المالي يبدو أكثر قتامة مما تعكسه الأرقام.

وقد خلص تقرير أعده مركز الاقتصاد الكلي التابع لمجموعة بوسطن الاستشارية إلى أن الاعتقاد السائد بشأن تراجع الأوضاع المالية للشباب مقارنة بالأجيال السابقة لا يجد ما يؤكده بالكامل في البيانات الاقتصادية، حيث يحقق جيل «زد»، المولود بين عامي 1997 و2012، مستويات دخل وثروة أفضل من تلك التي سجلها جيل الألفية وجيل «إكس» وجيل طفرة المواليد عند المقارنة بين الأفراد في الأعمار نفسها.

وتظهر الفوارق بوضوح على مستوى الدخل، إذ يبلغ متوسط دخل الأمريكيين البالغين 28 عاماً نحو 42 ألف دولار، بزيادة تقارب 25% مقارنة بجيل الألفية ونحو 50% مقارنة بجيل طفرة المواليد في السن ذاتها.

 أما على مستوى الثروة، فتسجل البيانات أن متوسط صافي ثروة جيل الألفية عند سن 34 عاماً بلغ نحو 331 ألف دولار، مقابل 251 ألف دولار لدى جيل «إكس» و229 ألف دولار لدى جيل طفرة المواليد، وهو ما يعزز فرضية أن الأجيال الشابة استطاعت تحقيق تقدم مالي مقارنة بمن سبقها، وإن كان ذلك لا يعني استفادة جميع أفرادها بالقدر ذاته.

وعلى الرغم من هذه المؤشرات الإيجابية، يتجه شعور الشباب نحو مزيد من التشاؤم في تحول لافت مقارنة بالعقود الأربعة الماضية التي كان خلالها كبار السن أكثر تشاؤماً، ليصبح الشباب أكثر قلقاً بشأن مستقبلهم المالي.

 ويربط الخبراء جانباً من هذه الظاهرة بالانتشار الواسع للهواتف الذكية ومنصات التواصل الاجتماعي التي تعرض أنماط حياة استثنائية من الثراء والرفاهية، مما يدفع الشباب إلى قياس نجاحهم بمعايير متزايدة الارتفاع تأثرت بصور الاستهلاك الفاخر والإنجاز السريع. وتدعم الاستطلاعات هذا الاتجاه، حيث أعرب 62% من أفراد جيلي «زد» والألفية في استطلاع لشركتي «صوفي» و«يوغوف» عن رغبتهم في التقاعد بظروف مريحة، بينما لم يعتقد سوى 46% منهم بقابليتها للتحقق.

 كما أظهر استطلاع لمؤسسة «إمباور» أن أفراداً من جيل «زد» قدّروا الدخل السنوي اللازم للنجاح المالي بنحو 600 ألف دولار، وهو مستوى يتجاوز بكثير الراتب السنوي الوسيط للعاملين بالدوام الكامل البالغ نحو 60 ألف دولار، ما يؤدي إلى تشوه في تقييم الوضع المالي وجعل تحقيق الدخل الجيد أقل إرضاءً عند المقارنة المستمرة بالثراء الاستثنائي.

وفي المقابل، يكشف سلوك الشباب عن استعداد ملحوظ للمبادرة والمخاطرة؛ إذ يرى 77% من أفراد جيل «زد» أنهم قادرون على تأسيس مشروع تجاري، كما اتجهت نسبة منهم للاستثمار في العملات المشفرة والأسهم للاستفادة من النمو طويل الأجل رغم ما تحمله من تقلبات ومخاطر.

وفي حين تقدم مؤشرات الدخل صورة إيجابية، يبرز سوق العقارات كأحد أكبر التحديات، حيث يتطلب شراء منزل بالسعر الوسيط في الولايات المتحدة نحو ست سنوات من الدخل الوسيط مقارنة بـ3.5 سنوات عام 1975، ورغم أن مساحة المنزل الجديد أصبحت أكبر بنحو 50% وتحسنت مواصفاته، إلا أن تركز غالبية الشباب في المدن والضواحي حيث لا يواكب البناء حجم الطلب يفرض ضغوطاً حقيقية تتغير طبيعتها تدريجياً مع تقدم العمر وانتقال الكثيرين للضواحي.

وتؤكد القراءة الاقتصادية أن القلق المالي لجيل «زد» لا يعود لمجرد تراجع أوضاعه، إذ إن البيانات تظهر تحسناً في عدة جوانب مقارنة بالأجيال السابقة، كما أن أجور العاملين في الربع الأدنى من توزيع الدخل سجلت نمواً أسرع منذ عام 2020.

 غير أن ذلك لا ينفي التحديات الحقيقية المتمثلة في تكلفة السكن وعدم اليقين بشأن التقاعد والتضخم.

 وتكمن المفارقة في أن ارتفاع مستويات الدخل والثروة لا يضمن الشعور بالأمان المالي عندما ترتفع التوقعات بوتيرة أسرع من الإمكانات الواقعية، مما يفرض على جيل «زد» التحدي الأساسي في تحقيق التوازن بين الطموح والواقع، وإدارة الموارد وبناء الاستقرار المالي وفق معايير واقعية بعيداً عن المقارنات غير المتكافئة على وسائل التواصل الاجتماعي.