الوالي أمزازي يعيد عقارب الساعة إلى الوراء بأكادير.. قرار الإغلاق منتصف الليل يثير غضب التجار ويهدد اقتصاد عاصمة سوس
تيليغراف.ما – أكادير
عاد ملف توقيت إغلاق المحلات التجارية بمدينة أكادير إلى واجهة النقاش، وسط تصاعد مخاوف المهنيين والتجار من تداعيات التوجه نحو فرض الإغلاق عند منتصف الليل، في خطوة يعتبرها عدد من الفاعلين الاقتصاديين تراجعا عن المكتسبات التنظيمية التي كان يفترض أن تواكب التحولات التي عرفتها المدينة خلال السنوات الأخيرة.
وتأتي هذه التطورات في سياق إشعار عدد من أرباب المحلات التجارية، بمختلف أحياء أكادير، من طرف أعوان السلطة بضرورة التقيد بتوقيت الإغلاق عند منتصف الليل، وهو ما أعاد إلى الواجهة مقتضيات تنظيمية قديمة تعود إلى سنة 1969، وأثار تساؤلات حول خلفيات العودة إلى نص تنظيمي مضى على صدوره أكثر من نصف قرن.
وفي تصريحات لموقع تيليغراف.ما، عبر عدد من التجار في المناطق الحيوية التي تعرف نشاطا تجاريا مكثفا خلال الفترة الليلية عن تخوفهم من انعكاسات هذا التوجه على مستقبل أنشطتهم التجارية، مؤكدين أن الساعات التي تلي منتصف الليل تشكل جزءا أساسيا من رقم معاملاتهم اليومية، ولا يمكن الاستغناء عنها دون تكبد خسائر مالية مهمة.
وأضاف التجار أن عددا من المحلات والمقاهي والمطاعم ومحلات الوجبات السريعة تعتمد بشكل كبير على الحركة التجارية الليلية، خاصة في أحياء السلام والداخلة وتالبرجت والقدس ومناطق أخرى تعرف إقبالا من المواطنين والطلبة والعمال والزوار إلى ساعات متأخرة.
واعتبر المتحدثون أن تقليص ساعات العمل لن يؤثر فقط على أرباب المحلات، بل سيمتد إلى المستخدمين والعاملين الذين ترتبط مداخيلهم باستمرار النشاط التجاري خلال الفترة الليلية، محذرين من احتمال تقليص فرص الشغل وتراجع المداخيل، فضلا عن تعريض بعض المقاولات الصغيرة لخطر الإغلاق.
ويعيد هذا الجدل استحضار القرار الذي صادق عليه المجلس الجماعي لأكادير خلال دورة أكتوبر 2025، والذي حدد أوقات فتح المحلات التجارية والخدماتية ابتداء من السادسة صباحا إلى غاية الواحدة بعد منتصف الليل.
وكان القرار المذكور قد أثار حينها موجة واسعة من الانتقادات والجدل في أوساط التجار والمهنيين والفعاليات المدنية، قبل أن يبرز نقاش بشأن ملاءمته مع خصوصية المدينة وحركيتها الاقتصادية والسياحية.
واللافت أن القرار الجماعي لسنة 2025 تضمن مقتضيات تنص على نسخ القرار السابق رقم 301 الصادر بتاريخ 10 نونبر 1969، والمتعلق بنظام الحفلات الراقصة والموسيقية ومحلات الرقص وأوقات إغلاق المقاهي والمطاعم بمدينة أكادير.
ومن هنا يطرح السؤال نفسه بإلحاح: إذا كانت جماعة أكادير قد سلكت سنة 2025 مسارا تنظيميا جديدا لتجاوز مقتضيات تعود إلى سنة 1969، فما الأساس القانوني الذي يبرر اليوم العودة إلى توقيت منتصف الليل؟ وهل نحن أمام تفعيل لمقتضيات القرار القديم، أم إجراء تنظيمي جديد يستوجب توضيحات رسمية للرأي العام والمهنيين؟
إن الأمر لا يتعلق بمجرد ساعة إضافية أو أقل في توقيت الإغلاق، بل بمستقبل أنشطة اقتصادية تشغل مئات المواطنين وتساهم في تحريك الدورة التجارية بالمدينة.
وفي خضم هذا الجدل، يجد والي جهة سوس ماسة، سعيد أمزازي، نفسه أمام مسؤولية ترابية تقتضي استحضار مختلف الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية للقرارات والإجراءات المتخذة على مستوى المدينة.
فدور الوالي لا ينبغي أن يقتصر على تنزيل التوجيهات والإجراءات التنظيمية، بل يستوجب أيضا الحرص على حماية المصالح المشروعة للمواطنين، وصيانة الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي، وضمان التنسيق بين مختلف المؤسسات والمتدخلين.
وإذا كانت المحافظة على النظام العام وراحة الساكنة مطلبا مشروعا لا يختلف حوله اثنان، فإن ذلك لا ينبغي أن يتحول إلى مدخل لتقييد الأنشطة التجارية التي تشتغل في إطار القانون وتوفر فرص الشغل وتساهم في تنشيط الاقتصاد المحلي.
كما أن معالجة شكايات الساكنة المرتبطة بالضجيج والاحتلال غير القانوني للملك العمومي والفوضى الليلية ينبغي أن تتم عبر إجراءات موجهة تستهدف مصادر الإزعاج والمخالفات، وليس من خلال مقاربة عامة قد تلحق الضرر بمختلف الأنشطة التجارية، بما فيها المحلات التي لا تشكل أي إزعاج للجوار.
وتعتبر مدينة أكادير العاصمة السياحية لجهة سوس ماسة ما يفرض اعتماد رؤية تدبيرية تستحضر طبيعة النشاط الاقتصادي بالمدينة، حيث لا تنتهي الحركة التجارية والخدماتية بمجرد حلول منتصف الليل. فالمدينة التي تسعى إلى تعزيز جاذبيتها السياحية وتشجيع الاستثمار وخلق فرص الشغل، تحتاج إلى بيئة اقتصادية مستقرة وواضحة، وليس إلى قرارات متغيرة تربك حسابات التجار والمستثمرين وتضعهم أمام حالة من عدم اليقين بشأن مستقبل أنشطتهم.
كما أن أي تغيير في التوقيت التجاري ينبغي أن يسبقه حوار مع ممثلي المهنيين والتجار، ودراسة للآثار الاقتصادية والاجتماعية، مع مراعاة خصوصية كل منطقة وطبيعة الأنشطة التي تحتضنها.
وأمام هذه المخاوف، تتعالى مطالب المهنيين بضرورة توضيح الأساس القانوني المعتمد في تحديد توقيت منتصف الليل، والكشف عن طبيعة الإجراء المتخذ والجهة المسؤولة عن تنزيله، مع فتح حوار مباشر مع ممثلي التجار والهيئات المهنية.
ويبقى السؤال الذي يفرض نفسه على والي الجهة والسلطات المحلية والمجلس الجماعي: هل يعقل أن تسعى أكادير إلى تعزيز جاذبيتها الاقتصادية والسياحية، في الوقت الذي تجد فيه أنشطتها التجارية نفسها أمام قيود زمنية قد تؤثر على استمراريتها ومناصب الشغل التي توفرها؟
إن حماية السكينة العامة لا تتعارض مع حماية الاقتصاد المحلي، لكن تحقيق التوازن بينهما يتطلب قرارات واقعية وتشاركية، تستحضر مصالح جميع الأطراف، بدل العودة إلى حلول تنظيمية قديمة لا تستجيب بالضرورة للتحولات التي عرفتها أكادير خلال العقود الماضية.
فأكادير تحتاج إلى قرارات تحرك اقتصادها وتطمئن ساكنتها ومستثمريها، لا إلى إجراءات تجعل ليل عاصمة سوس أقصر من نبضها الاقتصادي .





























































