اعبود لـ“تيليغراف”: لا يمكن القبول بأن يتحمل المستهلك وحده تبعات اختلالات سوق الدواجن (حوار)
تيليغراف.ما-الرباط
في ظل استمرار ارتفاع أسعار المواد الغذائية الأساسية، يجد المواطن نفسه أمام تحديات متزايدة في تدبير مصاريفه اليومية، خصوصا مع ارتفاع ثمن الدجاج الذي يشكل أحد أبرز مصادر البروتين لدى الأسر ذات الدخل المحدود والمتوسط.
وبينما يواجه المستهلك تبعات الغلاء، يعيش قطاع الدواجن بدوره على وقع اختلالات مرتبطة بارتفاع تكاليف الإنتاج وتراكم الخسائر والديون في صفوف المربين الصغار والمتوسطين، وهو ما يطرح تساؤلات بشأن الأسباب الحقيقية وراء ارتفاع الأسعار، ومسؤولية السياسات الفلاحية في معالجة الأزمة، والحلول الكفيلة بتحقيق التوازن بين مصالح المنتجين والقدرة الشرائية للمواطنين.
ولمعرفة أسباب ارتفاع أسعار الدجاج، وانعكاسات الأزمة على المربين الصغار والمتوسطين والمستهلكين، وسبل معالجة اختلالات السوق وضمان استقرار الأسعار، حاورت “تيليغراف.ما” محمد اعبود، رئيس الجمعية الوطنية لمربي دجاج اللحم بالمغرب، الذي قدم تشخيصه لوضعية القطاع، وتحدث عن أبرز المطالب والإجراءات التي يرى أنها ضرورية لإنقاذ المربين وحماية القدرة الشرائية للمواطنين.
إليكم نص الحوار:
كيف تفسرون استمرار ارتفاع أسعار الدجاج في السوق الوطنية، رغم أن القطاع يعرف دورات متكررة من ارتفاع الأسعار وانخفاضها؟
المشكل الأساسي، حسب ما نعاينه داخل القطاع، يرتبط بالاختلالات البنيوية التي يعاني منها الإنتاج، خصوصا في صفوف المربين الصغار والمتوسطين.
فهؤلاء يتحملون ارتفاع تكاليف الإنتاج، وعندما تتراجع الأسعار يجدون أنفسهم أمام خسائر يصعب تعويضها، ما يدفع بعضهم إلى التوقف عن النشاط أو الإفلاس.
وفي المقابل، عندما يرتفع الطلب أو يتراجع العرض، ترتفع الأسعار، وهو ما يشجع مستثمرين جددا على دخول القطاع، قبل أن يؤدي ارتفاع الإنتاج لاحقا إلى انخفاض الأسعار وتكبد خسائر جديدة.
وهكذا ندخل في حلقة مفرغة، يكون فيها المربي الصغير أول المتضررين عند انخفاض الأسعار، بينما يتحمل المستهلك العبء عند ارتفاعها.
هل يعني ذلك أن أزمة الأسعار لا ترتبط فقط بمستوى العرض والطلب، وإنما أيضا ببنية القطاع وطريقة تنظيمه؟
بالتأكيد، لأن اختزال الأزمة في العرض والطلب وحدهما لا يسمح بفهم الأسباب الحقيقية لاستمرارها. نحن أمام قطاع يحتاج إلى تنظيم أكثر فعالية، وضمان شروط المنافسة والشفافية، وحماية المربين الصغار والمتوسطين من الخسائر المتكررة التي تهدد استمراريتهم.
إن إقصاء هذه الفئة من السوق لا يخدم لا المربي ولا المستهلك، بل يهدد التوازن العام للقطاع. وعندما يتراجع عدد المنتجين وتتجمع القدرة الإنتاجية لدى عدد محدود من الفاعلين، فإن المنافسة قد تتأثر، وهو ما يستدعي تدخلا لمعالجة الاختلالات بدل الاكتفاء بانتظار تراجع الأسعار أو ارتفاعها.
ما مسؤولية الوزارة الوصية في الوضع الحالي؟ وهل حققت البرامج الفلاحية أهدافها المعلنة لفائدة قطاع الدواجن؟
نطالب بتقييم جدي لنتائج البرامج الفلاحية، خصوصا مخططي “المغرب الأخضر” و“الجيل الأخضر”، والوقوف على مدى تنفيذ الالتزامات التي تم الإعلان عنها، ومدى استفادة المربين الصغار والمتوسطين من الدعم العمومي.
كان من المفترض أن تساهم هذه البرامج في خفض تكاليف الإنتاج، وتثمين اللحوم البيضاء، وتطوير المجازر الصناعية، وخلق فرص الشغل، وفتح أسواق التصدير عند تسجيل فائض في الإنتاج.
لكن المطلوب اليوم هو التأكد من النتائج الفعلية لهذه البرامج، ومدى انعكاسها على وضعية المربين واستقرار السوق.
ولهذا ندعو إلى فتح افتحاص مالي وتقني للبرامج والعقود الفلاحية المعنية، والتحقيق في الاختلالات التي يعرفها السوق، والتحقق من مدى احترام قواعد المنافسة والشفافية، مع اتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة إذا ثبت وجود مخالفات.
ما الإجراءات المستعجلة التي تطالبون بها لإنقاذ المربين الصغار والمتوسطين؟
نطالب باتخاذ تدابير عملية ومستدامة لحماية الضيعات المتضررة من الإفلاس وتراكم الديون، وضمان الشفافية في إنتاج الكتاكيت وتسويقها، وتعزيز المراقبة والتتبع، والحد من المضاربات والوسطاء غير المنظمين، مع احترام مقتضيات القانونين رقم 49.99 و28.07.
كما ندعو إلى العمل على استقرار سعر الكتكوت في حدود لا تتجاوز ثلاثة دراهم، وفق آليات شفافة تأخذ بعين الاعتبار تكاليف الإنتاج الحقيقية، وتضمن التوازن بين مصالح مختلف المتدخلين في القطاع.
ولا يتعلق الأمر بمطالب ظرفية، بل بإجراءات من شأنها المساهمة في استقرار الإنتاج، وحماية المربي من التقلبات الحادة للأسعار، وتفادي تكرار الأزمات التي تنعكس في النهاية على المستهلك.
هل يمكن أن يشكل تطوير المجازر الصناعية والتوجه نحو التصدير جزءا من الحل؟
نعم، لأن تطوير المجازر الصناعية من شأنه أن يساهم في تثمين اللحوم البيضاء، وخلق فرص الشغل، وفتح آفاق جديدة أمام المنتجين، خصوصا عندما يسجل القطاع فائضا في الإنتاج.
كما أن تنظيم السوق الداخلية وتعزيز المنافسة العادلة، بالتوازي مع تطوير قنوات التثمين والتصدير، يمكن أن يساعد على تحقيق توازن أفضل بين العرض والطلب. ويكتسي هذا الأمر أهمية إضافية بالنظر إلى اعتماد القطاع على مدخلات إنتاج مستوردة، وما يترتب عن ذلك من استنزاف للعملة الصعبة.
لكن نجاح هذه الإجراءات يظل مرتبطا بوجود سياسة متكاملة تشمل مختلف حلقات الإنتاج والتسويق، ولا تقتصر على معالجة النتائج الظاهرة للأزمة دون أسبابها الأساسية.
في ظل تراجع القدرة الشرائية، كيف يمكن التوفيق بين ضمان سعر مناسب للمستهلك والحفاظ على هامش ربح يضمن استمرار المربي؟
نحن نعتبر أن حماية المربي الصغير والمتوسط هي أيضا حماية للمستهلك، لأن استمرار الإنتاج يتطلب وجود منتجين قادرين على تحمل تكاليف النشاط والاستثمار فيه دون السقوط في دوامة الخسائر والديون.
لا يمكن بناء قطاع دواجن مستدام على إفلاس المربين، كما لا يمكن القبول بأن يتحمل المستهلك وحده تبعات اختلالات السوق.
المطلوب هو إرساء سياسة متوازنة تضمن سعرا معقولا للمواطن، وفي الوقت نفسه توفر للمربي هامش ربح عادلا ومستداما.
إن الأزمة الحالية تستدعي معالجة جذرية للاختلالات، وضمان المنافسة والشفافية، وتقييم السياسات العمومية الموجهة للقطاع، حتى لا يستمر المربي في تحمل خسائر الإنتاج، بينما يجد المستهلك نفسه مضطرا إلى دفع فاتورة ارتفاع الأسعار.
والسؤال المطروح اليوم هو مدى استعداد الوزارة الوصية للتحرك من أجل إنصاف المربين الصغار والمتوسطين وضمان استقرار السوق الوطنية.





























































