وهبي يعلن إجراءات لتعزيز موارد الطب الشرعي في منظومة العدالة
في إطار الجهود الرامية إلى إصلاح منظومة العدالة وتعزيز نجاعة المهن المساعدة للقضاء، كشف وزير العدل عبد اللطيف وهبي عن حزمة من التدابير والإجراءات التشريعية والتنظيمية الهادفة إلى معالجة إشكالية الخصاص الكبير في الموارد البشرية المتخصصة في مجال الطب الشرعي بالمغرب، وهي إحدى القضايا التي باتت تفرض نفسها بقوة داخل النقاش المرتبط بتحديث قطاع العدالة الجنائية.
وأوضح الوزير، في جواب كتابي على سؤال برلماني، أن الطب الشرعي يشكل ركيزة أساسية في سير العدالة، نظراً لدوره المحوري في مساعدة القضاء على الكشف عن ملابسات الجرائم، وجمع الأدلة العلمية الدقيقة، وتحديد المسؤوليات الجنائية، بما يساهم في حماية حقوق الضحايا وضمان محاكمة عادلة للمتهمين.
وأضاف أن هذه المهنة تعد من بين أهم المهن المساندة للقضاء، لما توفره من معطيات علمية وتقنية تساعد على الوصول إلى الحقيقة.
ورغم الأهمية البالغة لهذا التخصص، أشار المسؤول الحكومي إلى أن المغرب لا يتوفر سوى على عدد محدود من الأطباء الشرعيين، حيث لا يتجاوز عدد المسجلين في جدول الهيئة الوطنية للطبيبات والأطباء 24 طبيباً وطبيبة فقط، وهو رقم يعكس حجم التحدي المطروح على مستوى تغطية حاجيات المحاكم والمؤسسات القضائية من الخبرة الطبية المتخصصة.
وفي السياق ذاته، أوضح الوزير أن المنظومة الحالية تعرف تبايناً في مستويات التأهيل، إذ يوجد أطباء يزاولون مهام الطب الشرعي داخل المكاتب الجماعية لحفظ الصحة أو ضمن مصالح وزارة الصحة، بعضهم لا يتوفر على تكوين متخصص في الطب الشرعي، في حين استفاد آخرون من تكوينات معتمدة، حيث تم التصديق على تكوين 34 طبيباً وطبيبة من خلال لجنة خاصة برئاسة وزارة العدل، إلى جانب فئة ثالثة تشتغل في إطار أشخاص اعتباريين.
ولمواجهة هذا الخصاص، أكد وهبي أن الوزارة تعمل على تصور شامل لإعادة هيكلة نظام أتعاب الخبرة القضائية، بما في ذلك تلك المرتبطة بالطب الشرعي، وذلك عبر مراجعة نظام التعويضات المخصصة للخبراء.
ويهدف هذا الإجراء إلى تحسين الوضعية المادية لممارسي هذه المهنة، بما يتناسب مع حجم المسؤوليات الملقاة على عاتقهم، والإكراهات المهنية التي يواجهونها، وذلك من أجل تحفيز الكفاءات على الانخراط في هذا التخصص الحيوي.
كما تشمل التدابير المقترحة العمل على تحسين البنية التحتية والتجهيزات المرتبطة بممارسة الطب الشرعي، من خلال تنسيق الجهود مع مختلف القطاعات المعنية لتأهيل المؤسسات والمختبرات وتوفير المعدات الضرورية.
إضافة إلى ذلك، تسعى الوزارة إلى تشجيع الأطباء الشباب على التخصص في الطب الشرعي عبر تحفيزات مادية ومعنوية، وتطوير التكوين الأساسي والمستمر داخل الجامعات المغربية.
وفي هذا الإطار، أكد وزير العدل أن الوزارة تفاعلت مع نتائج المهمة الاستطلاعية البرلمانية حول وضعية القطاع، وقدمت معطيات ميدانية دقيقة خلال زيارات ميدانية شملت عدداً من المدن، من بينها الدار البيضاء وطنجة ووجدة، ما يعكس انخراطها في مقاربة تشاركية لتشخيص مكامن الخلل واقتراح الحلول المناسبة.
ويرى متتبعون أن إصلاح قطاع الطب الشرعي يشكل أحد المفاتيح الأساسية لتقوية منظومة العدالة الجنائية، خاصة في ظل التطورات التي يعرفها قانون المسطرة الجنائية، الذي منح للطب الشرعي صلاحيات موسعة في مجال الإثبات الجنائي، غير أن التحدي الأكبر يظل مرتبطاً بمدى قدرة هذه الإجراءات على سد الخصاص الهيكلي في الموارد البشرية وضمان استدامة التكوين والتحفيز.
وبين رهانات الإصلاح وإكراهات الواقع، يظل ملف الطب الشرعي أحد الملفات الحساسة داخل منظومة العدالة، التي تراهن عليها الدولة لتعزيز الثقة في القضاء وضمان نجاعة التحقيقات الجنائية، في أفق بناء منظومة أكثر احترافية وفعالية.



























































