تحذيرات أممية من المخاطر البيئية الصامتة للذكاء الاصطناعي

يونيو 5, 2026 - 06:00
 0
.
تحذيرات أممية من المخاطر البيئية الصامتة للذكاء الاصطناعي

أطلقت الأمم المتحدة تحذيراً شديد اللهجة من تفاقم الأعباء البيئية الناجمة عن الطفرة السريعة في تقنيات الذكاء الاصطناعي، داعيةً الحكومات والمستثمرين والشركات التكنولوجية إلى دمج المعايير البيئية في كافة مراحل تطوير هذه المنظومة لضمان نمو مستدام يحمي الموارد الطبيعية.

ووفقاً لتقرير متخصص صدر عن معهد جامعة الأمم المتحدة للمياه والبيئة والصحة (UNU-INWEH) في كندا، فإن التأثيرات السلبية للذكاء الاصطناعي تمتد عبر سلسلة متكاملة تبدأ من استخراج المعادن الحيوية وصناعة الرقائق الإلكترونية، وتمر بالاستهلاك الكثيف للطاقة والمياه، وتصل إلى معضلة النفايات الإلكترونية. 

وتواجه مراكز البيانات، التي تمثل العصب الحيوي لهذه التقنيات، ضغوطاً متزايدة نتيجة استهلاكها الهائل للكهرباء والمياه لأغراض التبريد، إلى جانب حاجتها لمساحات شاسعة من الأراضي، وهو ما يتضاعف تأثيره مع التفاعلات اليومية لمليارات المستخدمين الذين يولدون النصوص والصور والاستعلامات المستمرة.

وفي الوقت الذي يتوقع فيه الخبراء أن يقفز حجم سوق الذكاء الاصطناعي العالمي بمقدار 25 ضعفاً ليصل إلى نحو خمسة تريليونات دولار بحلول عام 2033، ينبه التقرير إلى أن هذا التوسع المتسارع قد يخلق أزمات اجتماعية واقتصادية وجيوسياسية وبيئية معقدة يصعب تداركها بمجرد ترسخ هذه الأنظمة واستثماراتها.

 ورغم أن النقاشات العالمية تتمحور غالباً حول مخاطر الخصوصية والتضليل والتحيز وتأثير التقنية على سوق العمل، فإن الجانب البيئي ومفهوم العدالة البيئية في توزيع الأعباء بين الدول لا يزالان بعيدين عن الاهتمام الكافي. ففي قطاع الطاقة وحده، التهمت عمليات الذكاء الاصطناعي نحو 20% من إجمالي كهرباء مراكز البيانات في عام 2025، ويُتوقع أن تقفز هذه الحصة إلى 40% بحلول نهاية العقد الحالي.

وتشير التقديرات الرقمية الصادمة إلى أن استهلاك الكهرباء المرتبط بالذكاء الاصطناعي قد يعادل بحلول عام 2030 احتياجات الطاقة السكنية لـ 1.3 مليار نسمة في إفريقيا جنوب الصحراء لأكثر من عامين، وسط توقعات بتضاعف الطلب الكلي للكهرباء في مراكز البيانات. هذا النهم الطاقي قد يسفر عن انبعاث نحو 400 مليون طن من ثاني أكسيد الكربون، مما يستدعي زراعة قرابة 6.7 مليار شجرة على مدار عقد كامل لامتصاص هذه الانبعاثات.

 وعلى صعيد الموارد المائية، يُتوقع أن يلتهم تشغيل هذه التقنيات نحو 9.3 تريليون لتر من المياه بحلول عام 2030، وهي كمية كافية لسد احتياجات الشرب للبشرية جمعاء لمدة تقارب عام ونصف العام، فضلاً عن توليد نحو 2.5 مليون طن من النفايات الإلكترونية سنوياً بحلول العام نفسه.

ودحض الخبراء الأمميون الفكرة الشائعة بأن الاعتماد على الطاقة المتجددة يجعل مراكز البيانات صديقة للبيئة بشكل كامل، مؤكدين أن خفض الانبعاثات الكربونية لا يلغي الآثار السلبية الأخرى المتعلقة باستنزاف المياه والأراضي والموارد الطبيعية.

 كما سلط التقرير الضوء على تعمق الفجوة الرقمية والطبقية البيئية بين الدول؛ حيث تتركز 90% من القدرات السحابية المتقدمة للذكاء الاصطناعي في الولايات المتحدة والصين ضمن 32 دولة فقط حول العالم، في حين تفتقر أكثر من 150 دولة للبنية التحتية السيادية لهذه التقنية، مما يضع العديد من الدول المستبعدة في موقف تتحمل فيه الأعباء البيئية الناتجة عن استخراج المعادن وتدوير النفايات دون الحصول على ثمار هذه الطفرة التكنولوجية.

ولمواجهة هذه التحديات وضمان مستقبل رقمي متوازن، شدد التقرير على ضرورة قيام الحكومات بربط خطط البنية التحتية التكنولوجية بسياساتها الوطنية الخاصة بالطاقة والمياه وإدارة الأراضي. كما حث الشركات المطورة على تحسين كفاءة النماذج البرمجية وتقليل استهلاكها، ودعا المستخدمين إلى اختيار الحلول التكنولوجية الأقل استهلاكاً للطاقة.

وفي الختام، طالب التقرير المستثمرين ومشغلي مراكز البيانات بوضع معدلات استهلاك الموارد والانبعاثات كعوامل حاسمة وجوهرية في اتخاذ أي قرارات استثمارية وتشغيلية مستقبلية.