سوس.. قطب فلاحي يعزز ريادته في التصدير رغم تحديات ندرة المياه
حسن رشيدي
تعد جهة سوس من أبرز المناطق الفلاحية بالمغرب، لما تتوفر عليه من مؤهلات طبيعية ومناخية متميزة، تجعل منها مركزا حيويا للإنتاج الفلاحي الوطني، رغم التحديات البيئية المتزايدة، خاصة تلك المرتبطة بندرة الموارد المائية.
تنوع في الإنتاج ومساحة زراعية واسعة
تبلغ المساحة الصالحة للزراعة بالجهة حوالي 471 ألف هكتار، وتنتج مختلف السلاسل الفلاحية، من بينها زراعة الخضر تحت البيوت المغطاة، والحمضيات، والزيتون، والأركان، بالإضافة إلى الإنتاج الحيواني من لحوم حمراء وبيضاء، وتربية النحل.
وتسهم الجهة بشكل كبير في صادرات المغرب الفلاحية، حيث تتبوأ المرتبة الأولى في إنتاج البواكر والحوامض، وتساهم بحوالي ثلث القيمة المضافة الفلاحية على المستوى الوطني، بحسب معطيات وزارة الفلاحة والصيد البحري والتنمية القروية والمياه والغابات.
ريادة في إنتاج الحوامض وتوسع في التصدير
تعتبر جهة سوس ماسة القلب النابض لسلسلة إنتاج الحوامض بالمغرب، سواء من حيث الجودة أو حجم التصدير. وقد رسخت الجهة موقعها الريادي من خلال تزويدها المنتظم للأسواق الأوروبية التقليدية.

وفي السنوات الأخيرة، امتد إشعاع الحوامض منطقة سوس إلى أسواق جديدة، من بينها كندا. وفي هذا الصدد، قامت جريدة "تيليغراف.ما" بجولة في إحدى المتاجر الكبرى بمدينة إدمونتون بولاية ألبرتا الكندية، حيث رصدت توفر كميات هامة من الحوامض القادمة من أكادير، خصوصا الكليمانتين والبرتقال، والتي تحظى بإقبال كبير من طرف المستهلكين المحليين.
وخلال جولة ميدانية أخرى بأحد المتاجر الكبرى في مدينة فرانكفورت الألمانية، تم رصد عرض الطماطم السوسية ضمن الأروقة المخصصة للمنتجات الطازجة، حيث وضعت بعناية وسط رفوف تحمل إشارات تُبرز بلد المنشأ.

ويعزى هذا النجاح إلى الجودة العالية للمنتجات الفلاحية بسوس ماسة، المعتمدة على معايير دقيقة في الفرز والتلفيف، واعتماد طرق إنتاج عصرية تراعي متطلبات الأسواق الخارجية.
أزمة المياه وتدبير عقلاني للموارد
رغم النجاحات المحققة، تواجه الجهة تحديات حقيقية تتعلق أساسا بمحدودية الموارد المائية، إذ لا تتعدى التساقطات المطرية السنوية ما بين 70 و350 ملم، ما يؤثر على توفر المياه السطحية والجوفية.
وقد أدى الاستغلال المكثف للفرشات المائية إلى تسجيل عجز ملحوظ في مناطق مثل سوس وشتوكة، فضلا عن ظاهرة زحف مياه البحر نحو الفرشات الساحلية، مما يشكل تهديدا طويل الأمد للأمن المائي بالمنطقة.
مشاريع هيكلية لمواجهة التغيرات المناخية
في إطار مواجهة هذه التحديات، شرعت وزارة الفلاحة في تنفيذ خطة شاملة لإدارة الموارد المائية، من خلال تفعيل عقدة الفرشة المائية، وتوقيع الاتفاقية الإطار الخاصة بالتدبير المندمج للموارد، بهدف ترشيد الاستهلاك الفلاحي والحفاظ على المخزون الجوفي.

كما تم تعزيز البنية التحتية المائية بإنشاء سدود كبرى مثل سد يوسف بن تاشفين وسد المختار السوسي، ما مكّن من تحسين التخزين وتنظيم توزيع المياه.
الفلاحة الذكية وتنمية التعاونيات
تجاوزت تدخلات وزارة الفلاحة المجال المائي لتشمل دعم التقنيات الفلاحية الحديثة، حيث تم تعميم أنظمة السقي بالتنقيط، وتشجيع استخدام الطاقة الشمسية لتقليص الكلفة البيئية والمالية للإنتاج، مما ساعد في الرفع من المردودية الزراعية.

كما شهد القطاع تطورا ملحوظا على مستوى سلسلة التثمين، بفضل تطوير وحدات تلفيف الخضر والفواكه، وبناء مصانع لاستخلاص زيت الزيتون، إلى جانب دعم التعاونيات الفلاحية التي يتجاوز عددها 540 تعاونية، تعمل في مختلف السلاسل الإنتاجية.
نحو تنمية مستدامة ومندمجة
ساهم هذا الحراك الفلاحي في خلق فرص شغل محلية، وتحقيق قيمة مضافة للمنتجات الفلاحية، في انسجام تام مع أهداف استراتيجية الجيل الأخضر 2020–2030، التي ترمي إلى رفع نسبة تثمين المنتجات إلى 70 بالمائة في أفق 2030.
جهة سوس ماسة.. ركيزة فلاحية وطنية
وفي تعليقه على الموضوع، أوضح المحلل الاقتصادي علي الغنبوري أن جهة سوس ماسة تعد ركيزة أساسية في الاقتصاد الفلاحي الوطني، نظرا لمساهمتها الكبيرة في إنتاج الحوامض والبواكر، حيث يصل إنتاجها السنوي إلى حوالي 497,907 أطنان من الحوامض و1,527,000 طن من البواكر، مما يجعلها الجهة الرائدة وطنياً في هذا المجال.
كما أشار في تصريح لـ "تيليغراف.ما" إلى أن الجهة تسهم أيضا في إنتاج الزعفران بما يناهز 3,867 كيلوغراماً، والتمور بحوالي 8,053 طنا، وهو ما يعكس تنوع الإنتاج الفلاحي وأهميته في توفير العملة الصعبة من خلال تصدير المنتجات إلى الأسواق الدولية.
وأكد الغنبوري أن الفلاحين بالجهة، رغم التحديات المناخية المتمثلة في الجفاف وشح التساقطات، تمكنوا من الحفاظ على الأمن الغذائي عبر اعتماد تقنيات حديثة في السقي، خاصة السقي الموضعي، الذي مكن من توفير أزيد من 200 مليون متر مكعب من المياه سنويا سنة 2021.
كما شدد المحلل على أن محطة تحلية مياه البحر بإقليم اشتوكة آيت باها ساهمت بشكل كبير في إنعاش القطاع الفلاحي، حيث تدعم حوالي 13,000 هكتار من الضيعات، وتغطي 95 بالمائة من إنتاج الحوامض والبواكر.
وفي ما يتعلق بفرص الاستثمار، أبرز المتحدث عأن التحولات المناخية والتوجه العالمي نحو الاستدامة تفتح آفاقا جديدة بالجهة، من خلال مشاريع مثل الري الذكي الذي يستهدف تغطية 65,000 هكتار من الأراضي المزروعة بالحوامض والبواكر، معتمدا على تكنولوجيا متقدمة لتحسين كفاءة استخدام المياه، مما يوفر فرصا للاستثمار في أنظمة الري الذكية وأجهزة استشعار التربة.

كما أشار إلى مشروع "أجروبول سوس ماسة"، وهو مجمع صناعي يمتد على 75 هكتارا ويعنى بتحويل وتسويق المنتجات الفلاحية مثل زيت الزيتون، التوابل، والنباتات العطرية، مبرزا أنه يشكل فرصة مهمة للشركات الصغيرة والمتوسطة في ظل تنامي الطلب العالمي على المنتجات المستدامة والعضوية.
وأكد الغنبوري أيضا أهمية استغلال الطاقات المتجددة في دعم الفلاحة، مشيرا إلى مشروع يغطي 400 هكتار ويستفيد منه 250 فلاحا، ويعتمد فيه على الطاقة الشمسية لتقليص تكاليف الإنتاج وتشغيل مضخات المياه ووحدات التخزين البارد.
وختم تصريحه بالتأكيد على أن السياحة الفلاحية تمثل فرصة مبتكرة يمكن استثمارها بالجهة، بفضل ما تزخر به من تراث ثقافي وتنوع بيولوجي، مشيرا إلى أن مبادرات مثل زيارة مزارع الأركان أو مهرجانات اللوز في تافراوت من شأنها تحسين دخل الفلاحين وتعزيز الاقتصاد المحلي.


























































