رجاء لـ"تيليغراف.ما" : "وعود إصلاح التقاعد في البرنامج الحكومي تحتاج إلى كلفة مالية" (حوار)

أكتوبر 24, 2026 - 16:38
 0
.
رجاء لـ"تيليغراف.ما" : "وعود إصلاح التقاعد في البرنامج الحكومي تحتاج إلى كلفة مالية" (حوار)

تيليغراف.ما- الرباط 

في ظل الوعود التي تضمنها البرنامج الحكومي الجديد للفترة 2026-2031 بشأن إصلاح أنظمة التقاعد والرفع التدريجي للحد الأدنى للمعاشات الرئيسية إلى 3000 درهم شهريا، تتجدد التساؤلات حول مدى قدرة الحكومة على تحويل هذه الالتزامات إلى إجراءات ملموسة، في ظل التحديات المرتبطة بتمويل الإصلاحات الاجتماعية وضمان استدامة صناديق التقاعد، فضلاً عن تداعيات ارتفاع تكاليف المعيشة على القدرة الشرائية للمتقاعدين.

ولفهم أبعاد هذه الوعود الحكومية، وما تطرحه من رهانات اجتماعية ومالية، أجرى موقع «تيليغراف.ما» حواراً مع عبد العزيز رجاء، الرئيس المؤسس لهيئة المتقاعدين المدنيين بالمغرب، للوقوف عند انتظارات المتقاعدين من الحكومة الجديدة، وتقييم التدابير المعلن عنها بشأن تحسين المعاشات وإنصاف الأرامل، فضلاً عن شروط إنجاح إصلاح أنظمة التقاعد وضمان تنفيذه وفق آجال واضحة والتزامات قابلة للمحاسبة.

إليكم نص الحوار:

كيف تقيمون ما تضمنه البرنامج الحكومي 2026-2031 بشأن إصلاح أنظمة التقاعد والرفع من الحد الأدنى للمعاشات إلى 3000 درهم؟

إن إصلاح التقاعد يشكل أحد الملفات الاجتماعية الأساسية التي تنتظر المتقاعدين منذ سنوات، ولذلك فإن الإعلان عن الرفع التدريجي للحد الأدنى للمعاشات الرئيسية إلى 3000 درهم شهرياً يمثل التزاماً يستحق المتابعة والتقييم، لكنه يطرح في المقابل أسئلة جوهرية بشأن شروط التنزيل وآجاله.

فالمتقاعد لا يحتاج فقط إلى سماع وعود بتحسين وضعيته الاجتماعية، وإنما يريد أن يعرف متى ستبدأ الزيادة، وكيف ستتم، وهل ستشمل المتقاعدين الحاليين الذين تضررت قدرتهم الشرائية بفعل ارتفاع أسعار المواد الغذائية والأدوية والسكن والطاقة، أم ستقتصر على فئات معينة.

كما أن استعمال عبارة الرفع التدريجي يظل غير كافٍ ما لم يُرفق بجدول زمني واضح يحدد مقدار الزيادة في كل مرحلة، وتاريخ بلوغ الحد الأدنى المعلن عنه. فالمطلوب هو تحويل هذا الالتزام إلى إجراء ملموس يشعر المتقاعد بأثره في حياته اليومية، بدل أن يبقى وعداً مفتوحاً على امتداد الولاية الحكومية.

ما الذي تعتبرونه غائبا عن التصور الحكومي لإصلاح التقاعد؟

أعتقد أن الإشكال الأساسي يتعلق بغياب التفاصيل المالية والتنفيذية الكافية التي تسمح بتقييم مدى قابلية هذه الوعود للتحقق.

 فعندما تعلن الحكومة عن رفع المعاشات وتحسين الدعم الاجتماعي وتوسيع الخدمات العمومية، ينبغي أن توضح في المقابل الكلفة الإجمالية لهذه التدابير، ومصادر تمويلها، وانعكاساتها على ميزانية الدولة والتوازنات المالية لأنظمة التقاعد.

نحن أمام التزامات تمس فئات واسعة من المجتمع، ولا يمكن التعامل معها باعتبارها مجرد عناوين سياسية.

ينبغي تحديد عدد المستفيدين من كل إجراء، والتمييز بين الأنظمة المختلفة، ونشر تقديرات مالية متعددة السنوات، مع توضيح مسؤولية الدولة والصناديق والمشغلين والأجراء في تمويل الإصلاح.

كما أن الاعتماد على توقعات النمو الاقتصادي وحدها لا يكفي لضمان تنفيذ هذه الالتزامات، لأن الاقتصاد قد يتأثر بعوامل داخلية وخارجية، من قبيل الجفاف وتقلب أسعار الطاقة وتباطؤ النشاط الاقتصادي.

 لذلك، من الضروري أن يتضمن البرنامج سيناريوهات بديلة تضمن استمرار الإصلاح حتى في حال عدم تحقق التوقعات الاقتصادية المعلنة.

هل يمكن أن يشكل رفع الحد الأدنى للمعاشات إلى 3000 درهم حلاً للأزمة الاجتماعية التي يعيشها المتقاعدون؟

يمثل هذا الإجراء، إذا نُفذ بالشروط المطلوبة وشمل الفئات المعنية، خطوة مهمة نحو تحسين أوضاع أصحاب المعاشات المنخفضة، لكنه لا ينبغي أن يُقدَّم باعتباره حلاً شاملاً لجميع الإشكالات المرتبطة بالتقاعد.

فالمتقاعدون ليسوا فئة متجانسة، كما أن حاجاتهم تختلف بحسب قيمة المعاش والوضعية الأسرية وتكاليف العلاج والسكن. وهناك متقاعدون يتقاضون معاشات محدودة للغاية، ويجدون صعوبة في تغطية نفقاتهم الأساسية، خصوصاً في ظل الارتفاع المستمر لتكاليف المعيشة.

لهذا، فإن أي إصلاح جدي ينبغي أن يراعي القدرة الشرائية للمتقاعدين، وأن يضع آليات لمراجعة المعاشات بما يتناسب مع تطور الأسعار، إلى جانب تبسيط المساطر الإدارية وتسريع معالجة الملفات وصرف المستحقات.

ولا بد أيضا من التمييز بين الإصلاح الهيكلي لأنظمة التقاعد، الذي يتطلب رؤية بعيدة المدى لضمان استدامتها المالية، والتدابير الاستعجالية التي ينبغي اتخاذها لتحسين وضعية المتقاعدين الذين يعيشون اليوم أوضاعا صعبة. 

فلا يمكن مطالبة هذه الفئة بانتظار نتائج إصلاح قد يحتاج إلى سنوات، بينما تتزايد أعباؤها اليومية.

وماذا عن إعلان الحكومة منح الأرملة 100 في المائة من المعاش الرئيسي للزوج المتوفى بدل النسبة المعمول بها حاليا؟

هذا التوجه يطرح مسألة الإنصاف الاجتماعي والحماية الاقتصادية للأرامل، خصوصاً اللواتي كن يعتمدن على معاش الزوج لتغطية نفقات الحياة اليومية. غير أن الإعلان عن رفع النسبة إلى 100 في المائة ينبغي أن يكون مصحوباً بتوضيحات بشأن كيفية تطبيقه، وتاريخ دخوله حيز التنفيذ، والفئات التي سيشملها.

ومن الضروري كذلك توضيح وضعية باقي ذوي الحقوق، ولا سيما الأيتام، وكيفية ضمان حقوقهم في الحالات التي يتعدد فيها المستفيدون من المعاش نفسه.

كما أن رفع نسبة المعاش الممنوح للأرملة لا يعني بالضرورة تجاوز الهشاشة الاجتماعية إذا كان المعاش الأصلي ضعيفاً. لذلك، ينبغي أن يندرج هذا الإجراء ضمن رؤية أشمل لتحسين الحد الأدنى للمعاشات وتيسير الاستفادة من الحقوق، مع تحديد آجال واضحة لمعالجة الملفات وصرف المستحقات.

هناك من يعتبر أن إعفاء المعاشات من الضريبة يمكن أن يساهم في تحسين القدرة الشرائية للمتقاعدين. كيف تنظرون إلى هذا الإجراء؟

الإعفاء الضريبي يمكن أن يكون إجراءً مساعداً، لكنه لا يعوض الزيادة المباشرة في المعاشات، ولا يستفيد منه جميع المتقاعدين بالدرجة نفسها، خصوصاً أصحاب المعاشات الصغيرة الذين لا يؤدون الضريبة أصلا أو تكون استفادتهم محدودة.

فإذا كان الهدف هو تحسين القدرة الشرائية للمتقاعدين، ينبغي أن تكون التدابير متناسبة مع أوضاعهم الفعلية، وأن تعطي الأولوية للفئات الأكثر هشاشة. ولا يمكن اعتماد إجراء واحد باعتباره جواباً عن جميع المطالب الاجتماعية المرتبطة بالتقاعد.

المطلوب هو الجمع بين تحسين المعاشات المنخفضة، ومراجعة آليات احتسابها، وضمان استدامة الصناديق، إلى جانب تدابير تخفف الأعباء المرتبطة بالعلاج والسكن والخدمات الأساسية.

كيف يمكن التوفيق بين تحسين المعاشات والحفاظ على التوازنات المالية لأنظمة التقاعد؟

هذا السؤال ينبغي أن يكون في صلب أي إصلاح، لأن الدفاع عن حقوق المتقاعدين لا يتعارض مع ضرورة ضمان الاستدامة المالية لأنظمة التقاعد. بل إن الإصلاح الناجح هو الذي يحقق الأمرين معاً، من خلال تشخيص دقيق لوضعية كل صندوق، وتحديد الالتزامات المستقبلية، وتقدير الموارد الضرورية لتغطيتها.

ويقتضي ذلك نشر معطيات مالية محينة، وتوضيح الفوارق بين الأنظمة، وتحديد مكامن الاختلال، ثم اقتراح حلول تتوزع مسؤولياتها بصورة واضحة بين مختلف الأطراف المعنية.

كما ينبغي ألا يتحول الحديث عن التوازنات المالية إلى مبرر لتأجيل الحقوق الاجتماعية، مثلما لا ينبغي تقديم وعود لا تستند إلى موارد واقعية.

 فالمطلوب هو إصلاح مبني على الأرقام والشفافية والحوار الاجتماعي، مع ضمان ألا تتحمل فئة المتقاعدين وحدها كلفة الاختلالات المتراكمة.

ما المطلوب من الحكومة والبرلمان لضمان تنفيذ الوعود المتعلقة بالتقاعد؟

نطالب بأن تتحول الالتزامات المعلنة في البرنامج الحكومي إلى خطة تنفيذ واضحة، تتضمن جدولاً زمنياً سنوياً، وكلفة مالية لكل إجراء، ومصادر التمويل، وعدد المستفيدين، والجهة المسؤولة عن التنفيذ.

كما ينبغي أن يخضع هذا الملف لحوار اجتماعي حقيقي تشارك فيه الهيئات الممثلة للمتقاعدين، لأن القرارات المرتبطة بمستقبلهم لا ينبغي أن تُتخذ دون الاستماع إلى مطالبهم وانتظاراتهم.

ومن مسؤولية البرلمان أن يمارس دوره الرقابي، من خلال تتبع مدى احترام الحكومة لالتزاماتها، ومساءلتها عن أسباب أي تأخر في التنفيذ، والوقوف على النتائج الفعلية للتدابير المتخذة.

ونعتبر أن نشر تقارير دورية حول تنفيذ الإصلاح سيتيح للرأي العام معرفة ما تحقق فعلاً، وما تعثر، والأسباب التي حالت دون الوفاء ببعض الالتزامات. فالمعيار الحقيقي ليس عدد الوعود التي يتضمنها البرنامج الحكومي، بل حجم التحسن الذي يلمسه المواطن في حياته اليومية.

في الختام، ما الرسالة التي توجهونها إلى الحكومة بشأن ملف المتقاعدين؟

رسالتنا هي أن المتقاعدين لا يطالبون بامتيازات استثنائية، وإنما بحقوق اجتماعية تضمن لهم العيش الكريم بعد سنوات من العمل والمساهمة في بناء المؤسسات والاقتصاد الوطني.

إن إصلاح التقاعد ينبغي أن ينطلق من الاعتراف بحجم الصعوبات التي تواجه هذه الفئة، وأن يضع كرامة المتقاعد وقدرته الشرائية في صلب السياسات العمومية.

كما ينبغي أن يكون واضحاً في أهدافه، ومحدداً في آجاله، وشفافاً في كلفته المالية، وقابلاً للتقييم والمحاسبة.