الأخبار الزائفة وتحديات الحقيقة في العصر الرقمي

نونبر 6, 2026 - 08:11
 0
.
الأخبار الزائفة وتحديات الحقيقة في العصر الرقمي

شامة اليعقوبي
 
لم تعد صناعة الأخبار حكرا على المؤسسات الإعلامية والصحفيين، بعدما أتاحت الثورة الرقمية لكل من يمتلك هاتفا ذكيا وحسابا على إحدى منصات التواصل الاجتماعي إمكانية إنتاج المحتوى ونشره على نطاق واسع.

وفي خضم هذا التحول، وجدت الأخبار الزائفة بيئة خصبة للانتشار، وأصبحت صورة مبتورة، أو تصريح محرف، أو مقطع فيديو منتزع من سياقه، كافية لإثارة الرأي العام والإضرار بسمعة الأشخاص والمؤسسات.

 وقد ازدادت خطورة الظاهرة مع تطور تقنيات الذكاء الاصطناعي، التي جعلت اختلاق الصور والأصوات والمشاهد أكثر سهولة وإتقانا، ووضعت مصداقية المعلومة أمام تحديات غير مسبوقة.

وتتعدد مصادر الأخبار الزائفة ودوافع إنتاجها. فقد تصدر عن صحفي يخل بواجب التحقق من المعلومات، أو مؤسسة إعلامية تقدم الإثارة على الدقة، كما قد يصنعها أشخاص يفتقرون إلى أبسط قواعد العمل الصحفي، ويتخذون من وسائل التواصل الاجتماعي منابر لنشر الادعاءات والشائعات سعيا وراء المشاهدات والأرباح.

 وبين الخطأ المهني والتضليل المتعمد مسافة تقتضي التمييز القانوني الدقيق، بالنظر إلى اختلاف النيات والملابسات والآثار المترتبة على كل فعل.

وتكشف الكتابات الأكاديمية الحديثة عن قلق عالمي متزايد إزاء هذه الظاهرة، ففي الولايات المتحدة، تحذر الباحثة ميشيل أمازين، في كتابها( ارتباك المحتوى) الصادر عن معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا سنة 2025، من تداخل المواد الإعلانية بالمضامين الصحفية، وما ينجم عنه من إضعاف ثقة الجمهور في الأخبار.

وفي كتاب( إملاء الواقع، المعركة العالمية للسيطرة على الأخبار)، الصادر عن جامعة كولومبيا سنة 2025، يحلل مارتن مور وتوماس كولي سعي قوى سياسية في بلدان متعددة إلى التحكم في الأخبار وتوجيه تمثلات الجمهور للواقع.

 وتكشف الدراستان عن أبعاد اقتصادية وسياسية تتجاوز التداول العفوي للشائعات.

ويمتد هذا الانشغال إلى آسيا، حيث خصص الباحث الياباني ياماغوتشي كتابه لتحليل انتشار المعلومات المضللة وتأثيراتها في الرأي العام، مستندا إلى معطيات ودراسات حول البيئة الرقمية اليابانية.

 وفي كتاب جماعي بعنوان( الأخبار الزائفة في البلدان الآسيوية)، تتبع فيه الباحثون تجليات الظاهرة في مجتمعات آسيوية مختلفة، مبرزين أثر السياقات الثقافية والتنظيمية في انتشارها وسبل مواجهتها.

 وتؤكد هذه الأعمال أن المجتمعات، على اختلاف أنظمتها وتقاليدها الإعلامية، تواجه تحديا مشتركا يتعلق بحماية الحقيقة والثقة العامة.

 وقد كشفت الأزمات الصحية والكوارث الطبيعية والأحداث السياسية مدى قدرة المعلومات المضللة على التأثير في سلوك الأفراد والجماعات وإرباك جهود السلطات وتقويض الثقة في المؤسسات.

 وتزداد جسامة الأضرار حين تستهدف الأخبار الملفقة الحياة الخاصة للأشخاص وسمعتهم وكرامتهم، أو تتحول إلى وسيلة للتشهير والتحريض وإثارة الفزع، لذلك يكتسب التدخل التشريعي أهميته في حماية الحقوق وصيانة النظام العام، وفق قواعد واضحة تحدد الأفعال المعاقب عليها وشروط قيام المسؤولية.

ويحتل القضاء موقعا محوريا في مواجهة هذه الظاهرة من خلال تقدير الوقائع وفحص الأدلة والتحقق من توافر العناصر القانونية المكونة للمخالفة أو الجريمة.

 وتتجلى أهمية السلطة القضائية في تحقيق التوازن بين حرية التعبير وحماية الأفراد والمجتمع من أضرار التضليل، مع ضمان تناسب العقوبات والمحاكمة العادلة، والتمييز بين الخطأ غير المقصود والنشر المتعمد للأخبار الكاذبة.

وقد أكدت منظمة اليونسكو، في مبادئها التوجيهية لحوكمة المنصات الرقمية الصادرة سنة 2023، أهمية التصدي للتضليل المعلوماتي مع صيانة حرية التعبير والحق في الوصول إلى المعلومات.

وتبرز في هذا السياق مسؤولية المؤسسات الإعلامية والمنصات الرقمية في تطوير آليات التحقق والتصحيح، إلى جانب التربية الإعلامية التي تمنح المواطنين أدوات نقدية لفحص الأخبار ومصادرها.

وفي المغرب، يجد هذا النقاش مرجعيته الدستورية في الفصل الثامن والعشرين من دستور 2011، الذي يضمن حرية الصحافة ويمنع الرقابة القبلية، كما يجد أساسه التشريعي في القانون رقم 88.13 المتعلق بالصحافة والنشر. وتنص المادة 72 منه على الغرامة عن نشر أو بث أخبار زائفة بسوء نية، متى أخلت بالنظام العام أو أثارت الفزع بين الناس.

 ويجعل هذا المقتضى من إثبات سوء النية وتحقق الشروط القانونية عناصر أساسية في ترتيب المسؤولية.
وفي هذا السياق، تبرز أهمية كتاب الباحث والقاضي المغربي عبد العزيز البعلي،( الأخبار الزائفة في ضوء التشريع والعمل القضائي والصحفي، دراسة مقارنة)، الذي يتناول الظاهرة من زوايا تجمع التشريع والممارسة القضائية والمسؤولية المهنية للصحافة.

وتكتسب هذه المساهمة قيمتها ضمن نقاش فكري وقانوني عالمي يتسع باستمرار، ويطرح على المجتمعات سؤالا جوهريا حول مستقبل الحقيقة في فضاء رقمي تتسارع فيه الأخبار، وتتزايد فيه الحاجة إلى صحافة مسؤولة وقضاء مستقل ومواطن قادر على التمييز والتحقق.