المركز المغربي لحقوق الإنسان يطالب بتحقيق قضائي بعد مصرع ثلاثة عمال بمنجم جبل عوام

أكتوبر 1, 2026 - 12:23
 0
.
المركز المغربي لحقوق الإنسان يطالب بتحقيق قضائي بعد مصرع ثلاثة عمال بمنجم جبل عوام

هزت فاجعة جديدة مناجم جبل عوام بمركز مريرت بإقليم خنيفرة، بعد مصرع ثلاثة عمال منجميين في حادث وقع داخل منجم “إغرم أوسار” المعروف بـ”البئر الجديد”، التابع لمناجم جبل عوام التي تستغلها شركة “تويسيت” (CMT)، وسط مطالب حقوقية بفتح تحقيق قضائي شامل ومستقل لتحديد أسباب الحادث وترتيب المسؤوليات القانونية.

وقال المركز المغربي لحقوق الإنسان، في بيان له، إنه يتابع ببالغ الحزن والأسى وبغضب واستنكار شديدين هذه الفاجعة التي أودت بحياة ثلاثة عمال في مقتبل العمر، موضحا أن عاملين لقيا مصرعهما على الفور في قعر المنجم، فيما توفي العامل الثالث أثناء نقله إلى المستشفى.

واعتبر المركز أن الحادث لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره واقعة معزولة، مشيرا إلى ما وصفه بـ”سجل دام” من حوادث الشغل القاتلة في مناجم المنطقة، ومحملا ما اعتبره تغاضيا عن شروط السلامة والوقاية مسؤولية تكرار هذه الحوادث.

وبحسب المعطيات التي أوردها المركز المغربي لحقوق الإنسان، فإن الحادث وقع داخل نفق يتراوح عمقه بين 500 و600 متر تحت الأرض، أثناء قيام العمال بأشغال الحفر وتثقيب الصخور بواسطة آلة الحفر المعروفة باسم “المارطو”.

وأوضح المصدر ذاته أن المعطيات المتواترة من عين المكان والتقارير الميدانية التي قال إنها متطابقة، تفيد بأن آلة الحفر احتكت بلغم قديم غير منفجر، قال المركز إنه كان متروكا دون تمشيط أمني أو احترام لبروتوكولات مسح مخلفات التفجير، ما أدى إلى وقوع انفجار مفاجئ ومدمر.

وأضاف المركز أن غياب التجهيزات الاستعجالية والطبية القارة الكافية في قعر المنجم، إلى جانب ما وصفه باهتراء مسالك الإغاثة ووسائل الاتصال الداخلي، ساهم في استنزاف وقت اعتبره حاسما لإنقاذ العامل الثالث، الذي فارق الحياة خلال عملية الإخلاء ونقله إلى المستشفى.

وفي السياق ذاته، أشار المركز المغربي لحقوق الإنسان إلى ما وصفه بوجود ضعف في شبكات التهوية داخل الآبار، وتدفقات للمياه قد تتسبب في انهيارات الأتربة، فضلا عن اهتراء المصاعد والنقص في قطع الغيار، إلى جانب ما اعتبره عشوائية في تداول واستعمال المواد المتفجرة، وعدم فرض إجراءات صارمة مرتبطة بأحزمة الأمان والإخلاء.

وربط المركز هذه الفاجعة بمسار طويل من الاحتجاجات والنضالات التي خاضها عمال مناجم جبل عوام، مشيرا إلى تنظيم اعتصامات مفتوحة داخل باطن الأرض وعلى أعماق مئات الأمتار، إلى جانب مسيرات ووقفات احتجاجية للمطالبة بتحسين شروط السلامة والعمل، وتوفير طبيب قار بالمنجم، واحترام دفاتر التحملات، وضمان التغطية الصحية والتأمين عن حوادث الشغل.

كما أشار إلى أن هيئات نقابية وحقوقية سبق لها، وفق البيان ذاته، أن نبهت إلى ما وصفته بخطورة تجميد أو تغييب لجان الصحة والسلامة المهنية داخل المنجم، معتبرا أن هذه المطالب والتنبيهات قوبلت بما وصفه بـ”تعنت الإدارة” وسياسة “الآذان الصماء”، فضلا عن اتهامه الإدارة بخرق محاضر اتفاقات سابقة والتنصل من التزامات اجتماعية وقانونية.

وأضاف المركز أن العمال نظموا، عقب وقوع الحادث، مسيرات على الأقدام في اتجاه العمالة وإدارة الشركة، للتنديد بما وصفه بالإهمال الجسيم والمطالبة بفتح تحقيق في ظروف وملابسات الفاجعة.

وفي الجانب القانوني، اعتبر المركز المغربي لحقوق الإنسان أن ما جرى يشكل، بحسب قراءته، انتهاكا للحق في الحياة والسلامة البدنية، مستندا في ذلك إلى الفصول 20 و21 و31 من الدستور المغربي، وإلى مقتضيات العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، ولا سيما المادة السابعة، فضلا عن اتفاقيات منظمة العمل الدولية ذات الصلة بالسلامة والصحة في المناجم.

وحمل المركز الشركة المستغلة مسؤولية مدنية وجنائية قال إنها قد تترتب عن الإهمال والتقصير والخطأ الجسيم، متهما إياها بعدم توفير بيئة عمل آمنة، وعدم مسح وتأمين مناطق الحفر من المتفجرات غير المنفجرة، إلى جانب ما وصفه بغياب شروط الوقاية الفردية والجماعية.

كما تحدث البيان عن مسؤولية وزارة الانتقال الطاقي والتنمية المستدامة، في قطاع المعادن، فيما اعتبره المركز تقصيرا في الإشراف الفني والرقابي على المنشآت المنجمية، للتأكد من مدى احترامها للمعايير المحددة في النظام الأساسي لمستخدمي المقاولات المنجمية.

وفي المقابل، حمّل المركز وزارة الإدماج الاقتصادي والمقاولة الصغرى والتشغيل والكفاءات مسؤولية ما وصفه بالغياب المزمن لجهاز متخصص في تفتيش الشغل بالمناجم، وضعف المراقبة الدورية لمدى احترام المشغل لمقتضيات مدونة الشغل المرتبطة بالصحة والسلامة المهنية، وكذا تفعيل لجان السلامة وحفظ الصحة داخل المقاولة.

وأكد المركز أن المسؤولية القانونية، من وجهة نظره، لا ينبغي أن تقتصر على تسوية حادث شغل وتعويض الضحايا، مطالبا بفتح بحث قضائي لتحديد ما إذا كانت هناك أفعال يمكن أن تندرج ضمن جرائم القتل الخطأ الناتج عن الإهمال وعدم مراعاة الأنظمة والقوانين الجاري بها العمل.

وفي جانب آخر، أثار المركز مسألة عدم مصادقة المغرب على اتفاقية منظمة العمل الدولية رقم 176 المتعلقة بالسلامة والصحة في المناجم، والمعتمدة سنة 1995، والتي تتضمن، بحسب البيان، مقتضيات مرتبطة بالتخطيط للوقاية، وحق العامل في الانسحاب من موقع العمل عند استشعاره خطرا داهما على حياته دون تعرضه للعقاب، إضافة إلى إشراك لجان السلامة في تدبير المخاطر المهنية.

وأشار المركز إلى أن قطاع المعادن في المغرب يستند، في ظل عدم المصادقة على هذه الاتفاقية، إلى مجموعة من النصوص الوطنية، من بينها ظهير 24 دجنبر 1960 بمثابة النظام الأساسي لمستخدمي المقاولات المنجمية، رغم التعديلات التي طرأت عليه، والمقتضيات العامة المتعلقة بالصحة والسلامة الواردة في مدونة الشغل رقم 65.99، فضلا عن نصوص تقنية متفرقة مرتبطة بشرطة المناجم وتدبير المتفجرات.

وفي ختام بيانه، تقدم المركز المغربي لحقوق الإنسان بأحر التعازي والمواساة إلى عائلات العمال الثلاثة وإلى عموم الطبقة العاملة المنجمية بمريرت، معلنا تضامنه معهم إثر هذه الفاجعة.

وطالب المركز بفتح تحقيق قضائي نزيه وشامل ومستقل تشرف عليه النيابة العامة المختصة، من أجل الكشف عن أسباب الانفجار وملابساته وتحديد المسؤوليات، مع ترتيب الجزاءات القانونية في حق كل من تثبت مسؤوليته أو تقصيره.

كما دعا إلى تعويض عائلات الضحايا وذوي حقوقهم بشكل فوري وعادل وشامل، وجبر الأضرار المادية والمعنوية والاجتماعية التي لحقت بهم.

وطالب أيضا بإيفاد لجنة تقنية ورقابية وزارية محايدة ومستعجلة لمعاينة مختلف أوراش وبؤر الاستغلال بمنجم جبل عوام، مع وقف العمل في المقاطع والآبار التي لا تستجيب، وفق تعبيره، للحد الأدنى من شروط التهوية والسلامة والإنقاذ.

وشدد المركز على ضرورة تفعيل دور مفتشية الشغل ومصالح المعادن عبر تنظيم زيارات تفتيش ميدانية دورية ومباغتة للمناجم، وإلزام الشركات باحترام بروتوكولات السلامة، وتشديد الرقابة على تداول المواد المتفجرة.

كما دعا الشركة المشغلة إلى فتح حوار اجتماعي مع ممثلي العمال والنقابات، والاستجابة لمطالبهم، ووضع حد لما وصفه بالعمل بالوساطة والهشاشة التشغيلية، معتبرا أن عمال المناجم يشكلون جزءا أساسيا من النشاط الاقتصادي والتنمية.

ودعا المركز، في الأخير، الحكومة إلى الإسراع بالمصادقة على اتفاقية منظمة العمل الدولية رقم 176 المتعلقة بالسلامة والصحة في المناجم، وإعادة النظر في الترسانة القانونية المؤطرة لقطاع المعادن، بما يضمن، وفق تعبيره، تعزيز شروط السلامة وحماية حياة العمال داخل المنشآت المنجمية.