قضية غريبة بالمغرب.. إدانة شخص بسبب إرسال صورة ممثل تركي يحمل مسدساً عبر واتساب

ماي 19, 2026 - 10:21
 0
.
قضية غريبة بالمغرب.. إدانة شخص بسبب إرسال صورة ممثل تركي يحمل مسدساً عبر واتساب

أثارت قضية قضائية مثيرة جدلا واسعا بالمغرب، بعد صدور حكم ابتدائي يقضي بإدانة شخص والحكم عليه بأربعة أشهر حبسا نافذاً، على خلفية قيامه بإرسال صورة عبر تطبيق “واتساب” لممثل تركي يظهر وهو يحمل مسدساً، وهي الواقعة التي اعتُبرت من طرف المشتكي “تهديداً بالقتل”، قبل أن تتطور القضية عبر مراحل التقاضي لتصل إلى محكمة النقض.

وتعود تفاصيل الملف إلى شكاية تقدم بها أحد الأشخاص لدى وكيل الملك، اتهم فيها المشتكى به بتهديده بالقتل، وذلك بعد أن توصل بصورة عبر تطبيق التراسل الفوري “واتساب”، تظهر ممثلا تركيا وهو يحمل سلاحاً ناريا، حيث اعتبر المشتكي أن إرسال هذه الصورة جاء في سياق يحمل طابع التهديد المباشر، ما دفع النيابة العامة إلى فتح تحقيق في الموضوع.

وبناء على المعطيات الأولية، تمت متابعة المعني بالأمر من أجل “التهديد بالقتل”، لتصدر المحكمة الابتدائية بالجديدة حكما يقضي بإدانته والحكم عليه بأربعة أشهر حبسا نافذا، معتبرة أن طبيعة الصورة المرسلة يمكن أن تحمل دلالة تهديدية في سياق العلاقة بين الطرفين.

غير أن المتهم لم يقبل بالحكم الابتدائي، فقام باستئنافه أمام محكمة الاستئناف، حيث أعادت هذه الأخيرة النظر في تفاصيل الملف وظروفه، لتخلص إلى قرار مخالف، قضى بإلغاء الحكم الابتدائي، معتبرا أن إرسال صورة لممثل يحمل سلاحاً لا يرقى، في حد ذاته، إلى مستوى التهديد الجنائي الصريح، ما لم يكن مصحوباً بعبارات أو إشارات واضحة تفيد وجود نية تهديد مباشرة ومحددة.

وأكدت المحكمة الاستئنافية في تعليلها أن التكييف القانوني لجريمة التهديد بالقتل يتطلب توفر عناصر دقيقة، من بينها وضوح الفعل التهديدي وتوجيهه بشكل مباشر للضحية، وهو ما لم يتوفر في هذه النازلة، وفق ما ورد في الملف.

على إثر ذلك، لم تتقبل النيابة العامة القرار الاستئنافي، حيث تقدم الوكيل العام لدى استئنافية الجديدة بطعن بالنقض أمام محكمة النقض، باعتبارها أعلى هيئة قضائية في المملكة، للطعن في القرار الصادر عن محكمة الاستئناف، غير أن محكمة النقض انتهت إلى تأييد قرار محكمة الاستئناف، ورفض الطعن، معتبرة أن الوقائع المعروضة لا تتضمن العناصر القانونية الكافية لقيام جريمة التهديد بالقتل، وأن مجرد إرسال صورة، مهما كانت دلالاتها الرمزية، لا يمكن اعتباره تهديداً قائماً بذاته في غياب نص أو سياق صريح يثبت ذلك.

ويعيد هذا الحكم فتح النقاش داخل الأوساط القانونية بالمغرب حول حدود المسؤولية الجنائية في الفضاء الرقمي، وكيفية التعامل مع المحتويات  عبر تطبيقات التراسل الفوري، خاصة في ظل تزايد القضايا المرتبطة بالرسائل والصور والرموز الرقمية التي قد تُفهم بطرق مختلفة بين الأطراف.

كما يسلط الضوء على إشكالية “تأويل النية الإجرامية” في الجرائم الإلكترونية، ومدى إمكانية اعتبار الرموز البصرية أو الصور دليلاً كافياً للإدانة، في وقت تتجه فيه العديد من التشريعات إلى تطوير مقارباتها لمواكبة التحول الرقمي المتسارع.

وبينما اعتبر البعض أن الحكم يكرّس حماية للحرية في استخدام وسائل التواصل، يرى آخرون أنه يطرح إشكالات حول كيفية حماية الأفراد من الرسائل ذات الدلالات المقلقة، حتى وإن لم تكن صريحة بشكل مباشر.

وتبقى هذه القضية مثالا جديدا على التحديات التي يواجهها القضاء في عصر التواصل الرقمي، حيث تتداخل الرموز والصور مع النوايا، ويصبح التمييز بين التعبير العادي والتهديد الجنائي مسألة دقيقة ومعقدة تتطلب تدقيقاً قضائياً عميقاً.