من ”السرقة العلمية” إلى "فضيحة" النجاح الاستثنائي.. هل تحولت جامعة ابن زهر إلى عنوان لأزمات الحوكمة الأكاديمية؟
في الوقت الذي تتجه فيه كبريات الجامعات العالمية إلى التشدد في حماية النزاهة العلمية وترتيب المسؤوليات الأكاديمية مهما كانت مكانة المعنيين بالأمر، يواصل ملف السرقة العلمية بجامعة ابن زهر بأكادير إثارة الجدل، وسط تساؤلات متزايدة حول آليات التدبير والحكامة داخل واحدة من أكبر الجامعات المغربية.
وتعيد المقارنة بين ما وقع بفرنسا داخل جامعة باريس سيتي، وما تشهده جامعة ابن زهر، طرح سؤال جوهري يتعلق بكيفية تعامل المؤسسات الجامعية مع القضايا المرتبطة بالأخلاقيات الأكاديمية، ومدى قدرتها على الحسم في الملفات الحساسة بعيدا عن منطق التسويف أو تجنب اتخاذ القرار.
ففي فرنسا، لم تتردد جامعة باريس سيتي في اتخاذ قرار بسحب شهادة الدكتوراه من الفيزيائي والإعلامي المعروف إتيان كلاين، بعد تحقيق استمر عشرين شهرا أثبت وجود مقاطع منسوخة دون توثيق داخل أطروحته للدكتوراه التي ناقشها سنة 1999، ورغم المكانة العلمية والإعلامية للرجل، ورغم مرور أكثر من ستة وعشرين عاما على مناقشة الأطروحة، اعتبرت الجامعة أن قواعد النزاهة العلمية تسمو فوق الاعتبارات الشخصية والرمزية، لتصدر قرارا صارما بسحب الشهادة ومنعه من التسجيل مجددا في سلك الدكتوراه.
على النقيض من ذلك، ما يزال ملف السرقة العلمية الذي هز المدرسة الوطنية للعلوم التطبيقية التابعة لجامعة ابن زهر يراوح مكانه منذ سنوات، رغم الشكايات التي رفعها أساتذة باحثون إلى مختلف الجهات المعنية، من إدارة المؤسسة إلى رئاسة الجامعة والوزارة الوصية، فضلا عن وصول القضية إلى البرلمان وإثارتها لنقاش واسع في وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي.
ووفق المعطيات التي حصلت عليها تيليغراف.ما حول الملف، فإن اللجنة العلمية بالمؤسسة انتهت إلى ما وصفه متابعون بـ"اللاقرار"، بعدما أعلنت عجزها عن الحسم بين الإدانة والتبرئة، وهو ما اعتبره منتقدون تفريغا لآليات المساءلة من مضمونها القانوني والأخلاقي، وتحويلا لمؤسسة يفترض أن تدافع عن قيم البحث العلمي إلى فضاء يتجنب اتخاذ المواقف الواضحة.
ولم يتوقف الجدل عند حدود الشبهة الأكاديمية، بل امتد إلى أروقة المحاكم، بعدما وجد عدد من الأساتذة الموقعين على الشكاية أنفسهم موضوع متابعات قضائية على خلفية اتهامات مرتبطة بالتشهير ونشر معطيات اعتبرت كاذبة، في قضية ما تزال معروضة أمام القضاء.
غير أن ملف السرقة العلمية ليس سوى حلقة ضمن سلسلة من الأزمات والجدل الذي رافق جامعة ابن زهر خلال السنوات الأخيرة. فقد شهدت المؤسسة عددا من القضايا التي أثارت نقاشا واسعا حول الحكامة الجامعية وشفافية تدبير الشأن الأكاديمي، كان آخرها الجدل الذي رافق الحديث عن نجاح طلبة بالمدرسة الوطنية للعلوم التطبيقية رغم عدم استيفائهم للشروط الأكاديمية المعمول بها، وهي القضية التي أعادت إلى الواجهة مطالب بفتح تحقيقات دقيقة وترتيب المسؤوليات وربط المسؤولية بالمحاسبة.
ويرى متابعون للشأن الجامعي أن تكرار هذه الملفات داخل المؤسسة يطرح أسئلة ملحة حول فعالية آليات الرقابة الداخلية، واستقلالية اللجان العلمية، ومدى قدرة الجامعة على معالجة الاختلالات التي تطفو إلى السطح بين الفينة والأخرى.
وبين نموذج فرنسي حسم ملفا عمره أكثر من ربع قرن، ونموذج مغربي ما تزال بعض قضاياه عالقة بين اللجان والمحاكم، يبقى السؤال قائما: ما الذي يجعل مؤسسات أكاديمية متشابهة في تركيبتها العلمية تنتج مواقف متباينة إلى هذا الحد؟ وهل يكمن الفرق في النصوص والقوانين، أم في الإرادة المؤسسية والشجاعة اللازمة لتطبيقها دون استثناء؟
أسئلة تظل مطروحة بقوة، خصوصا في ظل تزايد الدعوات إلى تعزيز النزاهة الأكاديمية وحماية مصداقية الجامعة المغربية باعتبارها فضاء لإنتاج المعرفة وترسيخ قيم العدالة والشفافية.



























































