ثلاجة عازلة للصوت وبئر تخزين.. تفاصيل البنية التحتية السرية لنفق تهريب المخدرات بسبتة
في تطور أمني لافت يعكس حجم التحديات المرتبطة بشبكات التهريب الدولي، كشفت السلطات الإسبانية، خلال مؤتمر صحافي انعقد يوم الثلاثاء بمقر مندوبية الحكومة في سبتة، عن تفاصيل عملية نوعية استهدفت واحدة من أخطر الشبكات الإجرامية المتخصصة في تهريب المخدرات، والتي اعتمدت على أساليب متطورة وغير مسبوقة، من بينها ما بات يُعرف بـ"نفق المخدرات".
العملية، التي وُصفت بأنها من أكبر الضربات الأمنية في السنوات الأخيرة، أسفرت عن حجز ما يقارب 17 طناً من مخدر الحشيش، إلى جانب 15 سيارة فاخرة، و66 جهاز اتصال، فضلاً عن مبلغ مالي ضخم تجاوز 1.43 مليون يورو، كما تم توقيف 27 شخصاً في مناطق متفرقة من إسبانيا، أُودع 15 منهم السجن الاحتياطي في انتظار استكمال مجريات التحقيق.
المعطيات التي تم الكشف عنها خلال هذا اللقاء أبرزت الطابع المعقد والمنظم لهذه الشبكة، حيث ركزت التحقيقات بشكل خاص على شخصيتين رئيسيتين يُشتبه في قيادتهما للعمليات، الأولى تعود لمواطن مغربي يُلقب بـ"مهندس المخدرات"، والذي يُعتقد أنه كان العقل المدبر المسؤول عن تنسيق عمليات نقل الحشيش انطلاقاً من المغرب نحو التراب الإسباني، بينما يتمثل الثاني في شخص مقيم بمدينة سبتة، كان يتولى مهام التوسط وإبرام الصفقات، إضافة إلى تدبير الجوانب المالية، ما يعكس وجود بنية تنظيمية دقيقة تقوم على توزيع واضح للأدوار بين مختلف المتورطين، من التخطيط إلى التنفيذ ثم التوزيع.
ومن أبرز ما أثار انتباه المحققين في هذه القضية، النفق السري الذي تم اكتشافه تحت بناية صناعية، والذي تم تصميمه بطريقة احترافية عالية تدل على خبرة تقنية متقدمة. هذا النفق، الذي كان مدخله مخفياً خلف ثلاجة كبيرة عازلة للصوت، يتكون من عدة مستويات تشمل بئراً عميقاً يؤدي إلى مساحة مخصصة لتخزين المخدرات، قبل أن يمتد في اتجاه الأراضي المغربية.
وقد تم تجهيزه بسكة حديدية صغيرة وعربات ورافعات تسهل نقل الشحنات دون الحاجة إلى تواصل مباشر بين الأطراف، وهو ما ساهم في تقليص مخاطر انكشاف الشبكة لفترة طويلة.
ولضمان استمرار نشاطها دون إثارة الشبهات، عملت الشبكة على تزويد هذا النفق بأنظمة عزل صوتي متطورة، إضافة إلى مضخات تعمل بشكل دائم لتصريف المياه الجوفية، نظراً لطبيعة المنطقة التي تعرف تسربات مائية، وهو ما مكن هذا الممر السري من العمل لأشهر عديدة في ظروف شبه مثالية، دون أن يتم رصده من قبل الأجهزة الأمنية.
التحقيقات التي انطلقت في فبراير 2025 اعتمدت على مراقبة دقيقة وتحليل معمق لتحركات المشتبه فيهم، حيث ساهمت عدة وقائع في فك خيوط هذه الشبكة، من بينها حريق اندلع بحي "برينسيبي"، والذي مكن المحققين من ربط 510 كيلوغرامات من الحشيش بأنشطة هذه المنظمة، قبل أن تتوسع دائرة الاشتباه لتكشف عن قدرة الشبكة على نقل كميات ضخمة عبر شاحنات، حيث تم حجز مئات الكيلوغرامات في عمليات متفرقة، فيما شكلت العملية التي نُفذت في ألميريا، والتي أسفرت عن ضبط 15 طناً من الحشيش قادمة من الناظور، نقطة تحول حاسمة في مسار التحقيق.
ولم تقتصر أنشطة هذه الشبكة على النفق فقط، بل أظهرت المعطيات أنها كانت تعتمد أيضاً على المسالك البحرية، من خلال استخدام قوارب سريعة وسفن صيد لنقل المخدرات عبر الساحل الأندلسي وصولاً إلى نهر الوادي الكبير، غير أن تطور التحقيقات كشف أن المخطط الإجرامي كان يتجه نحو الاعتماد بشكل أكبر على الأنفاق كوسيلة رئيسية للتهريب، لما توفره من سرية وأمان مقارنة بالطرق التقليدية.
وفي المرحلة النهائية من هذه العملية، تم تنفيذ تدخل أمني واسع النطاق شارك فيه أكثر من 250 عنصراً من مختلف الأجهزة، وأسفر عن تنفيذ 29 عملية توقيف في مدن سبتة وماربيا وهويلفا وقادس وبونتيفيدرا، إلى جانب حجز كميات إضافية من المخدرات، بما في ذلك الحشيش والكوكايين، فضلاً عن معدات لوجستية وأموال يُشتبه في ارتباطها بأنشطة تبييض الأموال.
هذه القضية تسلط الضوء على التطور الكبير الذي باتت تعرفه شبكات التهريب الدولي، سواء من حيث الوسائل التقنية أو طرق التنظيم، حيث لم تعد تقتصر على الأساليب التقليدية، بل أصبحت تعتمد على تخطيط هندسي متقدم وبنية تنظيمية محكمة، ما يجعل من مواجهتها تحدياً حقيقياً يتطلب تنسيقاً أمنياً عابراً للحدود.
كما تعكس في الآن ذاته يقظة الأجهزة الأمنية وقدرتها على تفكيك شبكات معقدة، في إطار الجهود المستمرة للحد من الاتجار غير المشروع بالمخدرات وتعزيز الأمن الإقليمي.



























































