صفقات كراء بالمليارات تكشف عن هدر المال العام في تنظيم معرض"جيتيكس إفريقيا"

دجنبر 6, 2025 - 15:56
 0
.
صفقات كراء بالمليارات تكشف عن هدر المال العام في تنظيم معرض"جيتيكس إفريقيا"

كلما اقترب موعد تنظيم حدث دولي كبير في المغرب، يعود إلى الواجهة نفس الجدل المعتاد: أين توجد تجهيزات المؤسسات العمومية؟ وأين ذهبت الموارد البشرية التي صُرفت عليها ميزانيات ضخمة من مال الدولة؟

ويبدو أن نزيف هدر المال العام ما يزال مستمراً داخل وزارة الانتقال الرقمي وإصلاح الإدارة، حيث وفق المعطيات المتوفرة، فإن المدير العام الجديد لوكالة التنمية الرقمية، محمد الإدريسي الملياني، الذي عينته الوزيرة أمل الفلاح السغروشني، اختار مرة أخرى اللجوء إلى “منطق الكراء” لتنظيم معرض جيتيكس إفريقيا نسخة 2026, حيث تم استئجار مكيفات لثلاثة أيام بكلفة 2 مليار و600 مليون سنتيم، إضافة إلى كراء الخيام الخاصة بالمعرض بـ3 مليارات سنتيم، وكأن المغرب بلد بلا بنية تحتية ولا تجهيزات عمومية، وكأن الوكالة لا تملك سوى الجدران، على الرغم من الشعارات المرفوعة حول تطوير الرقمنة والاتصالات في البلاد. 

ولم تقف المصاريف عند هذا الحد، إذ بلغت صفقة الخبرة الرقمية مليار سنتيم، كما شمل كراء الشاشات واللافتات لثلاثة أيام مليارًا ونصفًا، إلى جانب 800 مليون سنتيم خُصصت للإشهار.

ما يجري هو مثال صارخ لاستنزاف المال العام خلال ثلاثة أيام فقط من طرف وكالة التنمية الرقمية لتنظيم هذا المعرض الدولي على غرار نفس المعرض الدولي جيتيكس أوروبا في برلين والذي ستكون فيه تكلفة معدات تنظيم المعرض أقل رغم ضخامته في عدد العارضين والشركاء.

هذه المؤسسة الموضوعة تحت الإشراف المباشر للوزيرة التي لم تُحدث — إلى حدود اليوم — أي تحول جوهري في قطاع الرقمنة والاتصالات، باستثناء بعض التحسينات المحدودة لدى شركات الاتصالات وبعض الإدارات.

وتؤكد هذه الوقائع أن الإدارة الحالية للوكالة تفتقر إلى رؤية استراتيجية وإرادة حقيقية لدعم الكفاءات الوطنية. فبالرغم من إعلان الوكالة عن طلب عروض دولي لاختيار مكتب خبرة للإعداد لنسخة 2026 من معرض “جيتكس إفريقيا المغرب”، بلغت كلفة الصفقة التقديرية 8.095.800 درهم، دون أن يظهر أثر واضح لهذا الاستثمار على مستوى بناء القدرات الوطنية.

الوزيرة التي عينت موظفاً لا يُعرف عن كفاءته في مجال الرقمنة سوى اسمه، لتولي منصب مدير عام الوكالة، دون أن يقدم إلى الآن أي بصمة إصلاحية ملموسة في القطاع. ومع ذلك، تم إطلاق صفقات ضخمة لتنظيم معرض “جيتكس إفريقيا”، وصلت قيمتها إلى 14 مليار سنتيم لهذه النسخة فقط.

وإذا احتُسب مجموع ما صُرف خلال خمس سنوات، فإن الرقم يصل إلى 70 مليار سنتيم لخمسة معارض. وهو مبلغ كان بإمكانه بناء مركز معارض دائم في مراكش بمواصفات عالمية، مع إمكانية استخدام نفس التجهيزات لعقود، بل وتحقيق مداخيل من خلال كراء جزء منها لاحقًا.

ولكن الإشكال الأكبر لا يتوقف عند ضخامة المبالغ المرصودة لهذه الدورة من المعرض، بل يكمن في ما قد يُنفق على باقي التظاهرات التي ستُنظم بالطريقة نفسها. 

وإذا كانت عشرات الملايين تُصرف على كراء تجهيزات لحدث واحد، فكم ستبلغ كلفة المعارض المقبلة؟ ومن المستفيد الحقيقي من هذه الصفقات؟ شركات وطنية أم أجنبية؟.

إن هذا الحدث لا يستحق كل هذه الأرقام الضخمة بينما يتطلع المغاربة إلى رقمنة فعالة وإدارة حديثة واسترجاع الكفاءات التي غادرت البلاد.

الحقيقة أن المغرب لا يعاني من نقص في الطاقات ولا من غياب الخبرات. مشكلته الأساسية ترتبط بانعدام الإرادة في الاستثمار في الكفاءات الوطنية وترشيد المال العام. ما يحدث هو استمرار لسياسة تضعف القدرات المحلية وتهمّش الأطر المغربية، لصالح حلول مكلفة لا تُنتج تراكم خبرة ولا تبني استقلالية رقمية.

إنها منظومة فشل في التخطيط والتدبير، إدارة لا تجيد سوى الإنفاق، وترى المال العام مجرد غنيمة تُوزع عبر صفقات غير شفافة. والنتيجة، غياب بناء للخبرات، غياب تطوير للكفاءات، وغياب استقلالية وطنية في المجال الرقمي.