هيئة النزاهة: المغرب يواجه تحدي تحويل إصلاحات مكافحة الفساد إلى نتائج ملموسة
أكدت الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها أن المغرب دخل مرحلة جديدة في مسار مكافحة الفساد، لم يعد التحدي خلالها مرتبطا فقط ببناء الإطار القانوني والمؤسساتي وإحداث آليات الرقابة، بل أصبح يتمثل أساسا في تحويل الإصلاحات والتدابير المعتمدة إلى نتائج ملموسة ومستدامة تنعكس على الممارسة الإدارية والاقتصادية والمؤسساتية، وتعزز ثقة المواطنين والمستثمرين والمرتفقين في أداء المرافق العمومية.
وأبرزت الهيئة، في تقريرها برسم سنة 2025، أن المملكة راكمت خلال السنوات الماضية إصلاحات مؤسساتية وقانونية مهمة، وعززت بنياتها الدستورية والرقابية، كما وسعت مجالات الرقمنة والانفتاح والشفافية، غير أن المؤشرات الدولية ما تزال تسلط الضوء على تحديات مرتبطة بمدى قدرة هذه الإصلاحات على إحداث تغيير فعلي في سلوك الفاعلين، وتحسين مستويات النزاهة، وتقليص فرص الفساد ومظاهره.
وشدد التقرير على أن نجاح السياسات العمومية في مجال مكافحة الفساد لا يمكن قياسه بعدد النصوص القانونية والمؤسسات المحدثة أو حجم البرامج المنجزة، وإنما بمدى قدرتها على تحقيق نتائج قابلة للقياس، وتعزيز الإنفاذ والامتثال والمساءلة، وترسيخ ممارسات أكثر شفافية ونجاعة داخل مختلف القطاعات.
وفي هذا السياق، اعتبرت الهيئة أن بناء سياسات فعالة لمكافحة الفساد يقتضي تجاوز الاعتماد على الانطباعات والتصورات العامة أو المؤشرات المعزولة، والانتقال إلى إنتاج معرفة دقيقة ومتجددة تسمح بفهم طبيعة الظاهرة وتحولاتها ومجالات تمركزها، إلى جانب قياس أثر التدخلات العمومية الموجهة لمواجهتها.
وانطلاقا من هذه المقاربة، جعلت الهيئة من تجميع المعطيات وإنتاج المعرفة وتقييم السياسات العمومية وتطوير أدوات القياس والتتبع إحدى الركائز الأساسية لممارسة دورها الدستوري في الإشراف على ترسيخ منظومة وطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها.
وأكدت أن مكافحة الفساد تبدأ بالتشخيص الدقيق للواقع، ورصد اتجاهات تطوره، وتحليل مكامن القوة والاختلال داخل المنظومة الوطنية، بما يسمح بتحديد الأولويات وصياغة الإصلاحات على أسس موضوعية.
وفي إطار هذا التوجه، واصلت الهيئة خلال سنة 2025 تطوير منظومة الرصد والتحليل الاستراتيجي، من خلال تحيين قاعدة بيانات مؤشرات النزاهة والفساد، وإعداد لوحات قيادة ومذكرات تحليلية داعمة لاتخاذ القرار، فضلا عن إطلاق أشغال إعداد دليل وطني لتقييم أثر سياسات مكافحة الفساد، واستكمال الإطار المنهجي لمشروع باروميتر الثقة في المؤسسات العمومية.
وتعكس هذه المبادرات، وفق التقرير، توجها نحو الانتقال من مجرد تتبع الأنشطة والإنجازات إلى قياس النتائج والأثر واستشراف التحولات المستقبلية، بما يجعل المعطيات والمؤشرات أدوات عملية لتوجيه القرار العمومي، وليس مجرد وسائل لتشخيص الوضع القائم.
وشكلت سنة 2025 أيضا محطة أساسية لتقييم التجربة الوطنية العشرية في مجال مكافحة الفساد، بعدما أطلقت الهيئة عملية تقييم شامل ومتعدد الأبعاد للاستراتيجية الوطنية لمكافحة الفساد للفترة الممتدة بين 2015 و2025.
ولم يقتصر هذا التقييم على قياس نسب الإنجاز وتتبع تنفيذ المشاريع المبرمجة، بل امتد إلى تحليل مدى قدرة الاستراتيجية على إحداث التحول المنشود في منظومة النزاهة، ورصد العوامل التي ساهمت في تحقيق المكتسبات، فضلا عن تحديد الإكراهات البنيوية والمؤسساتية التي حدت من فعالية بعض التدخلات.
ويروم هذا التقييم استخلاص الدروس الضرورية ورسم التوجهات الاستراتيجية لبناء جيل جديد من السياسات العمومية في مجال مكافحة الفساد، يستند إلى مقاربة أكثر ارتباطا بالنتائج والفعالية والاستدامة.
كما واصلت الهيئة أداء دورها المعياري من خلال إعداد آراء وتوصيات ومقترحات ترمي إلى تعزيز فعالية الإطار التشريعي والمؤسساتي لمكافحة الفساد، بالاستناد إلى قراءات نقدية للمنظومة القانونية القائمة وتحليل مقارن للتجارب والمعايير الدولية والإقليمية، بما يتيح اقتراح إصلاحات تستجيب لمتطلبات الشفافية والمساءلة والنجاعة، وتدعم تطوير الآليات الوقائية والزجرية المؤطرة لشفافية الحياة العامة والسياسية.
وعلى مستوى تقييم وضعية النزاهة بالمغرب، أشار التقرير إلى أن القراءة المندمجة للمؤشرات الدولية المعتمدة برسم سنة 2025 تكشف عن وضعية انتقالية تتعايش فيها ديناميتان متوازيتان؛ الأولى تعكس استمرار تراكم الإصلاحات المعيارية والمؤسساتية والتنظيمية المرتبطة بالنزاهة والوقاية من الفساد، والثانية ترتبط بمدى قدرة هذه الإصلاحات على التحول إلى نتائج عملية ومستدامة على مستوى التنفيذ والامتثال والمساءلة.
وأوضح التقرير أن المعطيات المتاحة لا تدعم اختزال الوضع في ثنائية التقدم أو التراجع، كما لا تسمح بالحديث عن تحول مكتمل في منظومة النزاهة أو عن أزمة حكاماتية عامة، بل تعكس مرحلة يجري خلالها تثبيت المكتسبات وتعزيزها، مع استمرار تحديات مرتبطة بفعالية تنفيذ الإصلاحات.
وفي هذا الإطار، سجل المغرب تحسنا في عدد من المؤشرات المرجعية، من بينها مؤشر مدركات الفساد، الذي أوقف المنحى التراجعي المسجل خلال السنوات السابقة، ومؤشر سيادة القانون الذي عرف تحسنا محدودا، إلى جانب الأداء المتقدم في تقرير جاهزية الأعمال ومؤشر الحرية الاقتصادية.
وتعكس هذه النتائج، بحسب الهيئة، بداية ظهور آثار الإصلاحات المرتبطة بتحديث البيئة القانونية والتنظيمية، وتطوير الخدمات العمومية وتعزيز التحول الرقمي، فضلا عن إصلاح بعض مكونات منظومة العدالة، ضمن التقييمات الدولية.
غير أن التقرير نبه إلى أن هذا التحسن لم يتحول بعد إلى مسار متجانس يشمل مختلف مكونات منظومة النزاهة، مشيرا إلى أن نتائج مؤشرات أخرى، وعلى رأسها مشروع V-Dem ومؤشر بازل لمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، إضافة إلى مؤشرات النزاهة وجودة الامتثال العامة لمنظمة التعاون والتنمية الاقتصادية، تكشف استمرار تحديات مرتبطة بفعالية الإنفاذ والرقابة ومستوى ترجمة الإصلاحات إلى ممارسات يومية أكثر شفافية ونجاعة.
واعتبرت الهيئة أن الفجوة بين البناء المعياري والأثر العملي ما تزال إحدى السمات البارزة للمرحلة الراهنة، إذ تسجل المؤشرات المرتبطة بالإطار القانوني والتنظيمي والجاهزية المؤسساتية نتائج إيجابية نسبيا، مقابل استمرار هوامش مهمة للتحسين في المجالات المرتبطة بالتنفيذ والرقابة والامتثال.
وبناء على ذلك، لم يعد الرهان الأساسي، وفق التقرير، يتمثل في إحداث مؤسسات جديدة أو اعتماد قواعد إضافية فقط، بل في تعزيز قدرة المنظومة القائمة على إنتاج نتائج ملموسة وقابلة للقياس، والانتقال من منطق الإنجاز المؤسساتي إلى منطق تحقيق الأثر الفعلي.
وعلى المستوى الوطني، أظهرت المعطيات الواردة في التقرير استمرار دينامية مؤسساتية شملت مجالات التشريع والتنظيم والرقمنة والشفافية والحكامة والوقاية من الفساد، غير أنها كشفت في المقابل عن وجود فجوات على مستوى التنفيذ والالتقائية والتنسيق، وتحويل السياسات والبرامج إلى نتائج ملموسة يشعر بها المواطن، خصوصا داخل القطاعات والمجالات الأكثر عرضة لمخاطر الفساد.
ودعت الهيئة، في هذا السياق، إلى تجاوز المقاربتين اللتين تختزلان الواقع في إنكار كل تقدم أو الاطمئنان إلى أن الإصلاحات المنجزة كافية، مؤكدة أن المرحلة المقبلة تتطلب تسريع تنفيذ الإصلاحات القائمة وضمان استدامتها وربطها بأهداف قابلة للقياس والتقييم والمساءلة.
كما أبرز التقرير أن مستقبل مكافحة الفساد يرتبط بشكل متزايد بتعزيز الوقاية واليقظة المبكرة، بالنظر إلى أن الظاهرة لم تعد تقتصر على الملفات المعروضة أمام القضاء أو الوقائع التي يتم اكتشافها بعد حدوثها، وإنما أصبحت تتطلب قدرات متطورة على التوقع والاستباق وإدارة المخاطر.
وفي هذا الصدد، أظهرت المشاريع والمؤشرات التي تناولها التقرير أن المعرفة بمظاهر الفساد أصبحت أكثر اتساعا ودقة بفضل تطور أدوات الرصد والتحليل والتبليغ والقياس، بينما لم يعد الإشكال مرتبطا فقط بنقص المعطيات، بل أصبح يتعلق بسرعة تحليلها وتحويلها إلى قرارات وسياسات وإجراءات وقائية فعالة.
وأكدت الهيئة أن الاستثمار في الرقمنة والذكاء الاصطناعي وأنظمة الإنذار المبكر وتحليل البيانات وحكامة المخاطر أصبح جزءا أساسيا من البنية الحديثة لمكافحة الفساد، في ظل التحولات التي تعرفها المعاملات الاقتصادية والمالية والفضاءات الرقمية.
وشدد التقرير على أن مكافحة الفساد ليست مسؤولية مؤسسة أو قطاع أو سلطة بعينها، بل هي مسؤولية جماعية تستوجب انخراط مختلف الفاعلين، انسجاما مع التوجيهات الملكية السامية التي تؤكد أن تخليق الحياة العامة ورش وطني مشترك، بعيدا عن المزايدات أو اختزال المسؤولية في جهة واحدة.
ومن جهة أخرى، اعتبرت الهيئة أن حصيلة سنة 2025 تعكس مرحلة جديدة من النضج المؤسساتي، قوامها الانتقال من منطق بناء المؤسسة إلى منطق قيادة المعرفة والتقييم والاستشراف والتنسيق في مجال النزاهة ومكافحة الفساد.
وأبرز التقرير أن تعزيز موقع الهيئة باعتبارها قطبا وطنيا مرجعيا في هذا المجال لا يرتبط فقط بالصلاحيات والموارد المتاحة لها، بل يتوقف أيضا على قدرتها على تعبئة مختلف الفاعلين حول أهداف مشتركة، ومدى انخراط القطاعات الحكومية والمؤسسات العمومية والجماعات الترابية والقطاع الخاص والمجتمع المدني في تحويل توصياتها ومخرجاتها إلى إجراءات وسياسات عملية.
وفي هذا الإطار، أوضح التقرير أن فعالية مكافحة الفساد لا يمكن أن تكون حصيلة أداء الهيئة الوطنية للنزاهة وحدها، وإنما هي نتيجة لقوة التنسيق والتكامل والالتقائية بين مختلف مكونات الدولة والمجتمع، بما يضمن توحيد الجهود وتكامل التدخلات وتجاوز التشتت في تنفيذ السياسات العمومية.
وفي ما يتعلق بالتحولات التي تعرفها ظاهرة الفساد، نبه التقرير إلى أن البيئة الجديدة للمخاطر أصبحت أكثر تعقيدا وترابطا وسرعة، في ظل التوسع المتسارع للفضاءات الرقمية وتعاظم دور البيانات وتطور أدوات الذكاء الاصطناعي، إلى جانب تزايد تعقيد المعاملات الاقتصادية والمالية.
وأشار إلى أن هذه التحولات تتيح فرصا مهمة لتعزيز الشفافية والنزاهة، لكنها تخلق في الوقت نفسه أنماطا جديدة من المخاطر يصعب التعامل معها بالاعتماد على الأدوات التقليدية وحدها، الأمر الذي يجعل الاستثمار في المعرفة والتحليل والاستشراف والقدرات الرقمية شرطا أساسيا لرفع فعالية منظومة مكافحة الفساد.
وخلصت الهيئة إلى أن المرحلة المقبلة تتطلب الانتقال من منطق رد الفعل إلى منطق التوقع والاستباق واليقظة الاستراتيجية، مع التركيز على بناء الأثر وترسيخ الثقة وتحويل النزاهة من شعار معلن إلى ممارسة يومية ملموسة داخل الإدارة والاقتصاد والمجتمع.
وبذلك، يضع تقرير الهيئة الوطنية للنزاهة برسم سنة 2025 أمام المغرب تحديا يتجاوز مواصلة الإصلاحات القانونية والمؤسساتية، ويتمثل أساسا في ضمان تنفيذها الفعلي وتقييم نتائجها وتعزيز التنسيق بين مختلف المتدخلين، حتى تتحول المكتسبات المسجلة إلى تغيير ملموس في حياة المواطنين وفي علاقة المجتمع بالمؤسسات العمومية.































































